الأحد 31 مايو 2020 م - ٨ شوال ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / البجعة السوداء ومواجهة العار

البجعة السوداء ومواجهة العار

عادل سعد

إذا تحققت التقديرات التي أعلنتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الاسكوا)، بشأن معدلات الفقر المنتظرة عربيا، تكون البجعة السوداء قد وجدت في الساحات العربية المزيد من فرص التنزه بحرية لافتة.
البجعة السوداء علامة شؤم في الميثولوجيا، وما قالته الإسكوا جاء ضمن مسح بياني يرتكز إلى مقارنات، ويفيد بأن عدد الفقراء في المنطقة العربية سيزداد ثمانية ملايين وثلاثمئة ألف، وسيعاني مليونان آخران من سوء التغذية في غضون الأشهر المتبقية من العام الجاري بسبب نسخة الشؤم الطارئة كورونا (كوفيد 19) التي اكتسحت الواقع الحياتي العربي بسرعة قياسية فاقت كل التوقعات، ولك أن تحصل على قائمة أوسع بإضافة هذا العدد المنتظر إلى القائمة الطويلة من المصابين بالانكماش المعاشي المزمن نتيجة تذبذب التنمية المستدامة.
لا شك أن ما ذهبت إليه الإسكوا يلتقي مع مؤشرين اثنين باتا معروفين؛ الأول: الانحدار الانخفاضي الحاد في أسعار النفط. أما الثاني فيكمن في استمرار بقاء المنطقة على صفيح ساخن من التوتر واحتمالات التصعيد إلى حد اشتعال حروب أخرى لا يمكن قياس مداها وحجم وقودها مع وجود نزيف عسكري مستمر في أكثر من بقعة عربية.
بالأصل، أن المنطقة العربية موبوءة بالمزيد من التداعيات الأمنية والانكشاف الاقتصادي والتشرذم، فجاء التهديد الوبائي الجديد ليكون الصفيح الساخن الذي تتشوى (من الشواء) عليه المنطقة قد اكتسب حرارة أشد في ظل تماهٍ واضح للتعاطي بيأس مع العوز في الفرص، وكأن أي إفلات من هذا المأزق أمر مستحيل، بل وكأن ما يجري عقد قران للفقر ينبغي الأخذ به كأمر واقع والتكيف معه.
الخلاصة، إن مجرد الدخول في تفرج إضافي للتكيف مع نتائج التقديرات التي ألمحت إليها الإسكوا يعني استسلاما إضافيا غير مقبول في كل الأحوال، كما أن اللجوء إلى سياسات مالية إرضائية جديدة تنعش آنيا، ليس مجديا، لأنها تستنزف الرصيد المالي الحكومي في المديين القصير والمتوسط وتستلب إرادته، إذ يجعل الحكومات مجرد جمعيات خيرية تكتفي بالترقيع بين الحين والآخر، وتجعل المواطنين مجرد متسولين ينتظرون المسكنات، وإزاء ذلك يكون احتمال خروج الفقر عن السيطرة في وقت لاحق احتمالا أقوى حين تخوى الخزائن ويحدث التقتير، عندها تفقد تلك السياسات قدرتها.
ليس الوقت وقت طرح نصائح، والنوم في عسل الانتظار، فذلك فقر إجرائي مع العلم أن العالم، كل العالم، والمنطقة العربية منه عليها خلاصة إجرائية أشار إلى ضرورتها العديد من السياسيين الخبراء منهم هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركي الأسبق بمقال له في صحيفة وول ستريت جورنال، فقد دعا إلى تغيير جوهري في الآليات الاقتصادية السائدة لمواجهة مخرجات كورونا.
حل أزمة الفقر عربيا بتفاقمها المضاف الجديد، ينبغي أن يعتمد إعادة تجميع للإمكانات المتاحة على قلتها في مرافقة ذكية بين الدعم الوقتي بحدود تنقرض تدريجيا وتدرج مجالات التشغيل، وهكذا، كلما أتيحت مجالات الاستثمار الإنتاجي تراجعت نسبيا إجراءات الدعم، مع هامش ضبط دقيق لكل عمليات ترشيد الإنفاق الاستهلاكي وفق النظرية الحربية إعادة تجميع القوات بعد خسائر جسيمة، ومواظبة حثيثة لقنوات الإنتاج والتسويق في منأى من نزعة (الطرفية)، أي تحميل مسؤولية العبء لأطراف دون غيرها في مقاربة للتنصل.
نحن أمام معضلة ينبغي أن تدفع كل الأطراف إلى أن تتقاسم واجب التصدي ضمن منهج إداري غير تقليدي، يقول كونفشوس (في ظل إدارات فاضلة، الفقر عار، وفي ظل إدارات سيئة، الغنى هو العار).

إلى الأعلى