Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

استعصاءات تشكيل الحكومة ووهن “اليسار الإسرائيلي”

علي بدوان

ما زالت عملية تشكيل الحكومة الجديدة في “إسرائيل” تصطدم بجملة من الاستعصاءات بالرغم من التوافق الأخير بين زعيم حزب الليكود بنيامين نتنياهو، ورئيس قائمة (أزرق ـ أبيض) الجنرال بيني جانتس، وهي القائمة التي تفككت عمليا وخرج منها حزبين من أحزابها هما: حزب (تيلم) بقيادة الجنرال موشيه يعلون، وحزب (ييش عتيد) بقيادة يائير لبيد. وبالتالي لم يتبقَّ فيها سوى حزب الجنرال بيني جانتس المسمى بحزب “مناعة إسرائيل”، وله في الكنيست خمسة عشر عضوا فقط. مع احتفاظه باسم القائمة (أزرق ـ أبيض).
وبالطبع، فإن التهتك الذي أصاب قائمة (أزرق ـ أبيض)، جاء أيضا بفعل تراجع قوى ما يسمى بــ”اليسار الإسرائيلي”، رغم أن الصورة العامة تشي بأن غالبية مركبات قائمة (أزرق ـ أبيض) ذات سياسات يمينية، لكن كان لها تتحالف مع مجموعات “اليسار الإسرائيلي” لتشكيل ائتلاف مضاد في وجه نتنياهو. لكن هيهات، فقوى “اليسار الإسرائيلي” أصابها الوهن والضعف الكبير، ولم تَعُد قادرة على ترجيح كفة أي ائتلاف.
وفي العودة للوراء قليلا، فإن نتائج الدورة الانتخابات التشريعية (انتخابات الكنيست) في “إسرائيل” في المرة الأولى والثانية والثالثة، أكَّدَت أن ما يُسمى بــ”اليسار الإسرائيلي” قد انهار تماما. فالنتائج التي حصدتها تلك الأحزاب والمجموعات المحسوبة على تيارات “اليسار الإسرائيلي” (العمل + ميريتس + غيشر) كانت متواضعة جدا قياسا لحضور وتأثير وفعالية قوى اليمين واليمين المتطرف، بشقيه: العلماني والتوراتي.
فقد نال التحالف المذكور سبعة مقاعد في الكنيست، بعد أن كان حزب العمل وحده، القائد للدولة العبرية الصهيونية منذ قيامها وحتى العام 1977. كذلك حزب “ميرتس”. عدا عن تراجع حظوظ حزب “راكاح”، الحزب الشيوعي “الإسرائيلي”، وهو حزب مختلط، يهودي عربي، بأغلبية عربية، فقد حصل على ثلاثة مقاعد بفعل وجوده ضمن القائمة العربية الأولى إلى جانب الحركة الوطنية للتغيير بقيادة الدكتور أحمد الطيبي، بعد أن كانت حظوظه في الدورات السابقة تتعدى خمسة نواب، لكنه استطاع الفوز والتفوق النسبي في المرة الثالثة في إطار التحالف ضمن القائمة المشتركة.
البعض في حركة “ميرتس” اليسارية الصهيونية، حمَّلَ فلسطينيي الداخل مسؤولية تردي أوضاع “اليسار الإسرائيلي” ككل داخل “إسرائيل”، ففي إطار لقاء أجرته معه صحيفة “يسرائيل هيوم” يدعي البروفيسور امنون روبنشتاين، وزير التعليم نيابة عن حزب “ميرتس” في حكومة اسحق رابين في سنوات التسعينيات من القرن الماضي، أن للفلسطينيين دورا في انهيار “اليسار الإسرائيلي” في الانتخابات. وقال روبنشتاين في معرض حديثه عن أسباب فشل “اليسار الإسرائيلي” وتراجع حضوره في نتائج الانتخابات الأخيرة للكنيست، أن “الموضوع الأمني والسيادة بالغ الأهمية بالنسبة للناخبين الإسرائيليين، ويسبق كل شيء، وفي الانتخابات القطرية يُعبّر الجمهور عن الحاجة للدفاع عما لنا، وعن عدم ثقته بالفلسطينيين”. وقال: “لقد ساهم الفلسطينيون في هزيمة اليسار، فالحركة الليبرالية في إسرائيل، واليسار بشكل خاص، تبنوا مقاربة الأرض مقابل السلام، ورد الفلسطينيون بالأرض ليس في مقابل السلام، وإنما مقابل المزيد من الأرض، وأصروا على حق العودة كأمر مقدس”.
لاحظوا ما قاله أمنون روبنشتاين أعلاه، إنه يطالب الفلسطينيين بالتخلي عن حق العودة وعلى القبول بالصيغ المطرحة “إسرائيليا” للتسوية. إن فحوى كلام أمنون روبنشتاين يتقاطع عمليا مع سياسات الليكود، وهو ما حدا البعض لتوصيف قوى “اليسار الصهيوني” بأنها ليست سوى “الليكود ب”.
إن مصادر في حركة “ميرتس” تعتقد بأن الرئيس الراحل ياسر عرفات شجع حلقة الإرهاب بعد أوسلو، وبعد ذلك تم الخروج العسكري “الإسرائيلي” من قطاع غزة، والذي كانت نتائجه ــــ من وجهة نظرها ـــ لا تقل خطورة، حيث بدء مسلسل قصف الجنوب، وليس الجنوب فقط، وبناءً عليه، أصبح اليمين في “إسرائيل” أقوى. فتلك المصادر تُشير إلىلا أن عملية إخلاء قطاع غزة كانت مؤلمة للغاية ومليئة بالأخطاء، بدلا من عملية تدريجية، وليس من جانب واحد، حيث كان من الممكن تحقيق السلام والهدوء، وخلق تعاون اقتصادي، والمساعدة في إعادة إعمار وتعزيز الحياة جنبًا إلى جنب.
وعليه، إن أحزاب ما يسمى بــ”اليسار الإسرائيلي” تعيش أكذوبة وجودها، وترمي بفشلها الأخير في انتخابات الكنيست الحادية والعشرين، على فلسطينيي الداخل، وتثير أجواء سلبية تمس أبناء الوطن الأصليين الذين بقوا صامدين على أرض فلسطين منذ نكبة العام 1948. دون أن تُدرك بأن المجتمع “الإسرائيلي” ذاته بات غارقا حتى أذنيه في مستنقعات اليمين واليمين المتطرف، بشقيه العلماني والتوراتي.


تاريخ النشر: 8 أبريل,2020

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/379771

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014