Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

خط الدفاع الأول

د. أحمد مصطفى أحمد:
رغم التفاؤل بقدرة البشر على تجاوز محنة وباء فيروس كوفيد-19 والثقة في الله وقدرة العلم، لا يمكن تجاهل أن هذا الفيروس الجديد يبدو أكثر شراسة مما عرفت البشرية من فيروسات العائلة التاجية (كورونا) من فصائل مثل الفيروس المسبب لمرض سارس أو ميرس. لذا لا يجوز أن نستهين بخطر هذا الوباء، ومسؤوليتنا جميعا أن نتبع الإرشادات التي توصي بها السلطات مهما كانت قاسية، فذلك هو سبيل الوقاية ومحاولة الحد من انتشار الفيروس وإعطاء العلم والطب فرصة لاستكشاف هذا العدو المجهول وتطوير سبل مقاومته وعلاجه.
رجاء لا تصدقوا كل ما تسمعون أو تقرأون، خصوصا على مواقع التواصل، فقد تكون النتائج مأساوية. وللأسف أغلبنا لا يدرك حجم الكارثة إلا حين تقترب منه شخصيا، فبالله عليكم لا تكونوا مثل جحا حين قيل له إن النار تشتعل في البلدة فرد بأنها طالما بعيدة عن حينا لا مشكلة، ثم قيل له إن النار في حيكم فقال طالما بعيدة عن شارعنا وبيتنا لا مشكلة، وظل هكذا حتى اشتعلت النيران في ثيابه وهو لم يحتط ولم يأخذ بالأسباب.
لعل البعض تابع في الأخبار، خصوصا على بي بي سي ووسائل الإعلام البريطانية، الخبر المؤلم عن أول جراح يتوفى بفيروس كورونا في بريطانيا الأسبوع. الدكتور عادل الطيار، استشاري جراحة نقل وزراعة الأعضاء. سوداني أصيل درس في الخرطوم وأكمل دراسته في بريطانيا ليتفوق في مجاله الجراحي. في الآونة الأخيرة تطوع للعمل ضمن نظام الصحة الوطني في الصفوف الأمامية لمواجهة وباء كورونا في مستشفى بوسط إنجلترا. أصابته العدوى، فعاد إلى منزله في غرب لندن وفي خلال أيام تدهورت صحته ونقل إلى المستشفى، لكن قضاء الله كان أسبق، ولم يتمكن مستشفى ويست ميدل سيكس من إنقاذ حياته.
الدكتور عادل الطيار ليس الوحيد الذي دفع حياته ثمنا لأن يكون في خط الدفاع الأول عن البشر في مواجهة الوباء، لكنه بالنسبة لي حالة خاصة أردت مشاركتها معكم لعلها تكون لنا مثلا ألا نتهاون أو نتساهل في إجراءات الوقاية حتى تزال الغمة وينقشع الوباء. في منتصف التسعينيات، حين قدم الدكتور عادل وعائلته الصغيرة وقتها إلى لندن استأجر البيت الملاصق للبيت الذي أستأجره. ولأنه ـ رحمه الله ـ كان سودانيا أصيلا لم يزده عمله ومهارته إلا تواضعا ونبلا، وكعادة أبناء النيل كنا كعائلة واحدة. كان وقتها جراحا في مستشفى جنوب غرب لندن، وكثيرا ما كانت ورديات عمله ليلا أو طويلة. ولا أريد الاسترسال في ذكريات داهمتني في الأيام الماضية منذ نبأ وفاته الذي عرفته من صورته على التلفزيون. ورغم أنه انتقل لعيش في منزل اشتراه ليس ببعيد عنا فكنا نراه أحيانا ونرى أولاده وقد كبروا.
الدكتور عادل الطيار ليس الحالة الوحيدة من ضحايا هذا الوباء الفتاك، فلي أخ عزيز ـ جراح أيضا من بين قلة في مجاله في العالم ـ يرقد الآن بين الحياة والموت في مستشفى بالسويد، حيث يعيش ويعمل وقد التقط العدوى أيضا وهو في الخطوط الأمامية في السويد. لا تمييز بين ضحايا الوباء من عشرات الآلاف في العالم، ولكن حين يقترب الأمر من المرء يجعل نظرته تختلف تماما. أدعو الله ألا يقترب من أحد كي يعيده إلى رشده، ويجعله لا يتهاون في الالتزام بإجراءات الوقاية ومقاومة انتشار الوباء. وليكن في تضحيات خط الدفاع الأول رادعا لمن ما زال يستهين بأمر هذا الفيروس وينزعج من إجراءات قد تبدو قاسية وتجعله يتخلى عن نمط حياته. فالحياة نفسها هي التي على المحك، فلا معنى لنمط وغيره الآن.
لم يكن دكتور عادل الطيار جراحا ماهرا فحسب، ولا سودانيا أصيلا فقط، بل كان إنسانا لا يملك من عرفه حتى لو كان مريضا عالجه في بريطانيا أو السعودية (حيث عمل لسنوات قليلة) أو السودان ولم يره بعدها إلا أن يحبه ويذكره طيلة العمر. ولا شك أن علمه وإيمانه جعلاه يأخذ بالأسباب، لكن قضاء الله لا راد له. فما بالكم بمن منا لا يريد حتى أن يأخذ بالأسباب وينتظر أن ينحسر الوباء وتمر الأزمة؟! ليس مطلوبا من الجميع أن يكون في خط الدفاع الأول، فكفانا من يقومون بذلك وأرواحهم على أكفهم في جهد لا يضاهي نبله وإنسانيته جهد. فما علينا، على الأقل، سوى أن نقدر تضحيات هؤلاء، ولا نجعل مهمتهم في حمايتنا ووقايتنا أصعب بعدم الالتزام بما يطلب منا من السلطات الصحية حيثما كنا.
نعم، ستمر الأزمة بإذن الله وقدرة العلم، وتضحيات هؤلاء الجنود المجهولين في الخطوط الأمامية في المستشفيات والمختبرات، وحفظ الأمن والنظام وإدارة شؤون الحياة بإبقاء الخدمات الأساسية مستمرة. لكن أي استهتار أو تهاون من جانب أي منا يصعب تلك المهمة ويطيل أمد المحنة، وقبل كل هذا يهدر تضحيات هؤلاء الذين دفعوا أرواحهم ثمنا لحمايتنا ووقايتنا وعلاجنا.


تاريخ النشر: 8 أبريل,2020

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/379772

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014