Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

الزراعة.. والاستفادة من الجائحة

جوده-مرسي

جودة مرسي:
أزمة فيروس (كوفيد 19) تسببت في العديد من الأحداث السيئة على الحياة بشكل عام والنواحي الاقتصادية بشكل خاص، إلا أنه إن لم يكن لنا الاستفادة من هذه التجربة المؤلمة فإننا لن نخطو للأمام بالوتيرة التي نأملها، خصوصا إذا استبدلنا الألم بالأمل والانكسار بالانتصار، وترجمة هذا عمليا يتم بالاستفادة من آثار هذه الجائحة العالمية الأليمة بالتركيز على سياسات الاكتفاء الذاتي، خصوصا في السلع الاستراتيجية والتي تتقدمها المواد الغذائية، خوفا من تكرار التجربة وانقطاع الاستيراد للمواد الأساسية الاستراتيجية، مع الانخفاض الكبير في أسعار النفط، وتأثر حركة النقل الدولي والتجارة العالمية، كل هذه الأحداث لفتت أنظارنا صوب مواردنا المتجددة وغير المتجددة، ولدينا في السلطنة ميزة فريدة وهي توفر الزراعة في 15% من مساحة الدولة صالحة للزراعة، وما زال الاستغلال في حدود النصف، واستغلالها وتنميتها بالطرق العلمية الحديثة سيعزز الاستثمارات المحلية في السلع الغذائية.
بصرف النظر عما يمكن أن تقدمه الزراعة من زيادة في الناتج المحلي، إلا أنها تعتبر منفذا رئيسيا للإنتاج الغذائي الوطني، وركيزة من ركائز التنمية الاقتصادية المستدامة بفضل تجددها وحيويتها، ناهيك عن فرص العمل التي تقدمها للمجتمعات المحلية في المحافظات والولايات والقرى، والميزة التنافسية التي تمنحها للمنتجات العمانية على المستوى الإقليمي، كونها من أهم الروافد التني تمنح الناتج الوطني تنويعا استراتيجيا.
تنقسم الزراعة في السلطنة إلى عاملين: الأول هو الأرض، ومتوافر بشدة، لكن لم يتم استغلال المتاح منه، بينما تتوزع الملكيات على عدد كبير جدا من السكان (يقارب 100 ألف)، وهو ما يضعف الإنتاج الجماعي ويشتته، ونحتاج إلى تنظيم زراعة هذه الملكيات، إضافة إلى التوسع في الاستغلال الأمثل للأراضي الباقية، خصوصا في ظل توافر موارد الري من الأفلاج والآبار.
العامل الثاني هو الإمكانات، وقد أنعم الله على السلطنة بها، فلا تزال الأفلاج تشق الجبال والصخور منذ قديم الأزل، لتروي الأرض العمانية، ولم تختفِ الزراعة أو تتأثر مع تطور الثروة النفطية في منطقة الخليج عامة والسلطنة خاصة، بل على العكس تماما صارت جزءا من حياة السكان الاجتماعية والاقتصادية، ولم يهملوا الزراعة بشقيها النباتي والحيواني، فكانت داعما لزيادة نصيب الفرد من الغذاء الوطني، وفي نفس الوقت داعما لتعظيم إنتاج الثروة الحيوانية.
لا يستطيع أحد أن يقلل من جهد الدولة في دعم قطاع الزراعة والثروة الحيوانية، فقد عملت وزارة الزراعة والثروة السمكية على عدد من البرامج المستدامة، ونفذت الكثير من خطط التنمية الزراعية المتعاقبة، وهو ما شهد تطورا للزراعة خلال السنوات الماضية، وغطت ما يقرب من 25% من غذاء السلطنة في السنوات الخمس الأولى من الألفية الجديدة، وارتفعت إلى نحو 32% في السنوات الخمس التالية، بل وكان لها حضور في الجانب التصديري، وكل ذلك متبوع بزيادة عدد العمال، وارتفاع الإنتاجية، وتطوير مهارات العمال مع تطور الميكنة الزراعية.
أمامنا فرصة تاريخية لدعم الأمن الغذائي في السلطنة، عبر الاستناد إلى دعم الدولة والبدء في تنويع المزروعات لتلبية الاحتياجات الرئيسية، والتركيز على المحاصيل الاستراتيجية التي تناسب بيئتنا، نحن نمتلك الأفلاج والآبار والعيون، فالأرض التي لا تشرب من الأفلاج بها عيون، والتي ليس بها عيون يمكن أن تشق فيها الآبار، وقادرون على تطوير وتحوير محاصيلنا بما يناسب ثقافاتنا واحتياجاتنا. الأفلاج العمانية كانت رمزا للزراعة القديمة في شبه الجزيرة العربية، وقد اهتم بها العالم وتم تسجيل 5 منها في قائمة التراث العالمي، وهي أهم روافد الري التي تسمح بالزراعة على الجبال والهضاب، فتعطي التفرد للمنتج الزراعي العماني، ويمكن تعظيم إنتاجية البلاد من الفواكه بالزراعة على الجبال، ومن المحاصيل الاستراتيحية للغذاء في الأودية والمسطحات المستوية.
إن تنمية الزراعة في السلطنة تنطوي على الرغبة والقدرة والوفرة، ويجري تنفيذها مع التوجه العام للدولة لتنويع مصادر الدخل القومي، وترشيد استخدام المياه، والاستغلال الأمثل لكافة الموارد والإمكانات، مما يساهم في اعتمادنا على المنتج المحلي ليكون بديلا للخارجي الذي يتعرض لمخاطر تمنع وصوله إلينا في حالات مماثلة للأزمة العالمية التي سببتها جائحة كورونا، لكي لا يكون مصيرنا الغذائي في يد الآخرين، أو رهنا بأحداث لم تكن في الحسبان، ولا أخفي الأمل في تخليق الرغبة لدى المزارعين لرفع كفاءة المشاريع الزراعية، واستخدام تقنيات الهندسة الوراثية لتنويع المحاصيل، والتوسع في قاعدة الزراعة منخفضة التكلفة حتى لو كانت عوائدها تغطي الاستخدام الشخصي فقط، ضمانا لأمننا القومي وتحسين الإنتاجية الزراعية في مجملها، وحماية صحة المواطنين عبر تقديم منتجات آمنة صحيا، وقبل كل هذا أن يكون غذاؤنا بيدنا لا بيد الآخرين.


تاريخ النشر: 8 أبريل,2020

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/379775

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014