الثلاثاء 26 سبتمبر 2017 م - ٥ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / القدس و”الحروب الدينية”

القدس و”الحروب الدينية”

”كيف يقتحم المتطرفون، من مستوطنين ورسميين الحرم القدسي بشكل شبه يومي بينما يمنع الفلسطينيون من دخوله ولا نسمع ولا حتى بيان “شجب وإدانة” من إذاعة رسمية عربية؟. بل كيف لا نرى الحشود التي تصوت في “آراب أيدول” أو الملايين التي تتابع “المسلسل التركي” تخرج للشارع معبرة عن الغضب من أجل الأقصى والقدس؟”
ــــــــــــــــــــــ
يعمل الاحتلال الإسرائيلي بجهد ومثابرة على تفريغ القدس من هويتها منذ زمن طويل، وربما منذ احتلال المدينة المقدسة عام 1967، لكن وتيرة “التهويد” تسارعت بشدة في الأسابيع الأخيرة دون أن نلحظ أي رد فعل عربي باستثناء استدعاء الأردن سفيره لدى الكيان الصهيوني للتشاور على اعتبار أن المقدسات الإسلامية في الضفة الغربية “وديعة لدى العرش الهاشمي”. وهناك ملاحظة لا يمكن إغفالها وهي أن ردود الفعل العربية، والشعبية منها بخاصة، على عدوانية الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين في تراجع شديد منذ فترة التغيير المسماة “الربيع العربي”. وربما يفسر ذلك على أنه “أمر مؤقت نتيجة انشغال شعوب دول المنطقة بالتغيير فيها عن القضية المركزية وهي الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين”، لكن الواضح أن هذا المنحى تجاوز وضع “المؤقت”. ولاحظنا ذلك بوضوح في العدوان الاسرائيلي الأخير على قطاع غزة هذا العام.
لكن تظل القدس، بكل ما تحمله من رمزية لدى العرب والمسلمين والمسيحيين، حالة خاصة يصعب أن يتصور المرء أن يغير المحتل وضعها تماما في غفلة من الكل ودون رد فعل، ولو على الأقل “صراخ مغتصبة” ـ على حد تعبير الشاعر العراقي مظفر النواب. فكيف تسنى للاحتلال أن يغلق المسجد الأقصى تماما للمرة الأولى منذ احتلال القدس دون “أن تقوم الدنيا ولا تقعد”؟ وكيف يقتحم المتطرفون، من مستوطنين ورسميين الحرم القدسي بشكل شبه يومي بينما يمنع الفلسطينيون من دخوله ولا نسمع ولا حتى بيان “شجب وادانة” من إذاعة رسمية عربية؟. بل كيف لا نرى الحشود التي تصوت في “آراب أيدول” أو الملايين التي تتابع “المسلسل التركي” تخرج للشارع معبرة عن الغضب من أجل الأقصى والقدس؟ وأين تلك الحشود التي تحتفل بيوم عاشوراء من انتهاك حرمة أولى القبلتين وثالث الحرمين؟ وفي النهاية، كيف لكل تلك الجماعات التي ترفع الدين شعارا وتقتل باسم “نصرة الإسلام” مسلمين أكثر من غيرهم مما تتعرض له القدس والأقصى؟ هل القدس أقل أهمية من كوباني أو درنة؟
منذ أعلنت اسرائيل نفسها “دولة يهودية” قانونيا مؤخرا وهي تخوض حربا دينية، وفي القلب منها بالتأكيد التعجيل بمحولات هدم الأقصى لإقامة الهيكل ـ ويجري حفر الأنفاق تحت الأقصى منذ سنوات حتى تخلخلت أركانه أو كادت. وفي المقابل يقتل المسلمون بعضهم بعضا في حروب دينية في سوريا والعراق وليبيا واليمن وعمليات متفرقة في مصر والجزائر وتونس وغيرها. ويغرق محيط فلسطين في صراعات دينية وطائفية، ما بين مسلمين وغيرهم وبين الشيعة والسنة من المسلمين وداخل حتى الملل المشتركة في الدين. ويكسب التطرف اليهودي ـ ربما أكثر مما تكسب داعش ـ بدفع الكيان الصهيوني لتلبية متطلباته من استيطان فيما تبقى من أرض للفلسطينيين وتهويد القدس والتخلص من الأقصى. هل أثارت العبارة الأخيرة فيكم شيئا؟ هل نجادل ونناقش: سيتخلصون من الأقصى أم مجرد إفراغ المدينة المقدسة من سكانها الفلسطينيين؟ شئنا أم أبينا، رضينا أم اعترضنا، هذا ما يفعله الاحتلال الإسرائيلي بالفعل.
وفي خضم الحروب الدينية في المنطقة، كبيرها وصغيرها، اختبر الاحتلال أكثر من مرة في الأسبوعين الأخيرين مدى غفلة العرب والمسلمين عن قدسهم وأقصاهم وجاءت نتيجة الاختبار أفضل له مما توقع. فلم يجد أمامه سوى بضعة فلسطينيين يتصدون لرصاصه بصدورهم في محاولة مستميتة للدفاع عن وطنهم وفي القلب منه الدفاع عن بقعة مقدسة لدى بقية الأمة من عرب ومسلمين. أما الأمة فلم تغضب، ولا حتى بمظاهرات في الشوارع، ولا ردت عواصمها بانتقاد الاحتلال والدفاع عن الأقصى. والأهم، أن من يرفعون رايات الدين في قتالهم وإرهابهم لأبناء دينهم من المسلمين قبل الآخرين لا يأبهون بانتهاك حرمة الأقصى والقدس. ودون أن يرفع الاحتلال راية دينية فجة، كما تفعل داعش وجماعات نصرة كذا وكذا، ينفذ حربه الدينية دون مقاومة أو حتى “صخب” يلفت انتباه العالم إلى جرائمه.
هل نغالي بالقول حين نصف ما يفعله الصهاينة في القدس وبالأقصى بأنه لا يختلف عن حروب دينية أخرى؟ ربما ننتظر الرد ممن يرفعون شعارات الدين في كل صراعاتهم الدنيوية في المنطقة فيدمرون البشر والحجر وهم لا يفيدون في النهاية إلا عدو الأمة والدين من الصهاينة المتطرفين. ليست هناك مغالاة، فالقدس دوما ومنذ قرون كانت بؤرة حروب وصراعات ومحاولات احتلال واستيطان باسم الدين وتحت راية مقاتلين يرفعون شعارات دينية ليحققوا بها أغراضا دنيوية. ولا يمكن أن يجد هؤلاء الذين يستغلون الدين ستارا لإرهابهم في المنطقة مبررا لغض الطرف عما يفعله الاحتلال بالقدس والأقصى. وإذا كان هؤلاء في الماضي عابوا على الكفاح المسلح ضد الاحتلال أنه كان تحت شعارات قومية وراديكالية غير “جهادية”، فماذا يحول بينكم الآن وبين تحرير القدس وحماية الأقصى من الهدم على يد الصهاينة؟ ها هم “الفدائيون” و”المقاومون اليساريون والقوميون” أفسحوا لكم المجال، فماذا تنتظرون أيها “المجاهدون”؟ أم أنكم محض منافقين كما يظن كثيرون!
صحيح أن الاحتلال الصهيوني لفلسطين بدأ مطلع القرن الماضي في إطار موجة استعمار غربي للمنطقة، وترك فيها بؤرة تخلص فيها من “يهود آسيا الوسطى وأوروبا” باعتبارهم عبئا ثقيلا ألقى به بعيدا، إلا أن الدين كان منذ البداية ذريعة. ألم يكن وعد بلفور ـ الذي مرت ذكراه هادئة قبل وقت قصير ـ يبرر احتلال فلسطين بشعر “وطن قومي لليهود في فلسطين”؟

د.أيمن مصطفى* كاتب صحفي عربي

إلى الأعلى