الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / جدار “برلين” الجديد!

جدار “برلين” الجديد!

كاظم الموسوي

”قصة الجدار القديم بدأت مع انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، حيث وجدت ألمانيا المنهزمة في الحرب نفسها تحت وصاية اتفاقية “يالطا” التي قسمتها إلى 4 مناطق تحت نفوذ الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. وحينها تشكلت دولتان لشعب واحد، كما حصل مع الشعب الكوري ايضا، حسب القوى المسيطرة والمديرة للمناطق المحتلة منهما.”
ــــــــــــــــــــــ
سقط جدار برلين القديم قبل ما يقارب من ربع قرن من الزمن (1989). وسقط معه كثير من الأوهام وتداعت عنه خيارات واختيارات وتزامنت معه ارتدادات وانحرافات. وانتشرت امان وتداعيات، كلها ارتبطت بذلك اليوم الذي فتح بوابات الجدار/ الحدود بين ابناء وبنات الشعب الألماني في الدولتين، الديمقراطية الاشتراكية والغربية الرأسمالية. بني الجدار في 13 آب/ اغسطس 1961، حين أغلقت الحدود بين شرق وغرب برلين. كان في البداية مجرد سياج شائك، تحول على مر السنوات إلى سلسلة معقدة من الأسيجة، والكتل الخرسانية، وابراج مراقبة، ودوريات حراسة مشددة. حتى بلغ في عام 1975 طوله 150 كيلومترا، وارتفاعه 3.6 متر. هذه التغييرات عبرت حينها عن احتدام الأزمة العالمية والعلاقات الدولية والحرب الباردة بين معسكرين ونظامين، وبسقوطه وتهدمه راجت افكار وتأملات وانتشرت نظريات ومحاولات، لم تتمكن من ان تتطور لخدمة الإنسانية التي من اجلها تبنى وتقام التغيرات والتحولات.
قصة الجدار القديم بدأت مع انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، حيث وجدت ألمانيا المنهزمة في الحرب نفسها تحت وصاية اتفاقية “يالطا” التي قسمتها إلى 4 مناطق تحت نفوذ الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. وحينها تشكلت دولتان لشعب واحد، كما حصل مع الشعب الكوري ايضا، حسب القوى المسيطرة والمديرة للمناطق المحتلة منهما. وأصبحت مدينة برلين فضاء واسعا للصراعات الاستخبارية والشحن السياسي والتهديدات الساخنة. فهل استفيد من دروس الجدار وسقوطه، اوروبيا وخارج اوروبا ايضا، ولا سيما عندنا في وطننا العربي الذي امتلأ بمثيلاته ومرادفاته، من سايكس بيكو و”وعد” بلفور واتفاقيات ومعاهدات سيفر وسان ريمو وباريس ولوزان ويالطا وغيرها؟!!.
من انتصر بعد الجدار ومن شرع الأبواب لزمن آخر بعده؟. الصراعات السابقة لم تنته، ولم تعتبر. لقد حاول المعسكر الغربي استثمار السقوط لمصلحته و”نهاية التاريخ” عنده. ووسع من امتداداته وتصوراته وهيمنته. فالاتحاد الاوروبي تجاوز اضعاف عدد دوله وهو مكسب اوروبي وتطور ايجابي، كان المفروض ان يكون قدوة ومثالا للبناء والتقدم رغم وما له وما عليه. وحلف شمال الاطلسي/ الناتو زاد عن حدوده وفاض على جيرانه. رغم تأكيده في كل مناسبة أنه لا يزال يحترم تعهداته، إلى أن وصل إلى ضم دول البلطيق الثلاث (لتوانيا، لاتفيا، استونيا) التي كانت في اطار الاتحاد السوفييتي في القرن الماضي، ويعمل الان نحو دولتي جورجيا وأوكرانيا. وهو عمل عدواني صريح، يستهدف محاصرة روسيا والصين وإضعافهما على مختلف الصعد. ولم يخف رغباته وأهدافه هذه.
وضع الالمان على بقايا الجدار قبل تهديمه كاملا صورة كبيرة يقبّل فيها الرئيس السوفيتي بريجنيف الرئيس الالماني الديمقراطي اريك هونيكر، وكأنهم رسموا فيها قبلة الموت لكليهما، لسياساتهما ولطريقتهما في الإدارة والتعامل مع الواقع، والوقائع التي كانت ترسي نفسها في النظام والمعسكر والعالم. وعكست اغترابا من مجرى التغيير والتحولات العالمية.
بالمناسبة صرح الرئيس الاميركي باراك اوباما (8/11/2014) أن سقوط جدار برلين قبل 25 عاما كان تقديرا لأولئك الذين لقوا حتفهم في محاولة للوصول إلى الحرية، وللتحالف الاميركي الالماني الغربي، إبان فترة الحرب الباردة (!). وقال أوباما انه لن ينسى أبدا صور سكان برلين الشرقية وهم يهدمون الجدار ويتدفقون إلى برلين الغربية. واستطرد أوباما قائلا: ”وكان ذلك تذكيرا بأن الجدران الخرسانية والأسلاك الشائكة لا يمكن في نهاية المطاف أن تقف في وجه إرادة الرجال والنساء العاديين الذين عزموا امرهم على العيش أحرارا”.
هذا كلام صحيح ونظري بالكامل، لكن الرئيس الاميركي نسي دور بلاده في وضع اسس الجدار نفسه. رغم انه في كلامه هذا كشف اهداف وخطط معسكره ونظامه الرأسمالي، والذي لم يستفد هو الآخر من دروس الجدار الذي يتذكر سقوطه، ولم يعتبر منها، اذ هو يعمل على محاصرة روسيا وثلم نفوذها والتدخل في شؤون لها مسميا تصرفات موسكو بالعدوان، بينما يتنكر لامتداده الامبراطوري الاستعماري المتواصل والذي ينطبق عليه الاتهام نفسه، بل ويصبح اكثر قانونا وسياسة.. وتابع الرئيس الاميركي: ”في أوروبا وخارجها – أينما يسعى المواطنون لتحديد مصيرهم – سنسترشد بالدروس المستقاة من جدار برلين، فقد تدوم الجدران والأنظمة القمعية لبعض الوقت، ولكن في نهاية الأمر لا يمكنها أن تصمد في مواجهة الرغبة في الحرية والكرامة الإنسانية التي تتقد في قلب كل إنسان”.
امام هذا التناقض اللفظي لخطاب اوباما تقول الحقائق اليومية ما يرد عليه واقعيا وتسأل ماذا تحقق من الوعود الوردية لشرق ألمانيا مثلا؟. فبعد توحيد ألمانيا، وُعد بتنمية شرق البلاد وتطوير بنيته الاقتصادية. لكن، وبعد مرور 25 عاما على سقوط جدار برلين ما زالت المناطق الشرقية تعاني من ضعف في النمو الاقتصادي، واستمرار في الهجرة وتعثر في التنمية. فعن أي دروس تحدث اوباما؟!.
شاهد من اهلها، مجموعة سياحية قدمت خصيصا من غرب ألمانيا للتعرف على الجزء الشرقي من البلاد، بعد مرور 25 عاما على سقوط جدار برلين فضحت في رسالتها بعض النتائج. معلقة، حسب ما اوردته وكالة اخبار المانية، عن ما رأت: “فظيع منظر هذه البنايات التي تشبه الصناديق وتشوه هذه المنطقة”. وكانت جميع محطات القطار التي مرت منها المجموعة السياحية في حالة بائسة، فكل محطة أسوأ من الأخرى. وهي المحطات نفسها التي كانت في فترة سابقة بنايات عصرية تضم قاعة للوصول وقاعة للاستراحة ومكتبا خاصا بمراقبي التذاكر، بالإضافة إلى شقق فسيحة كانت تحت تصرف موظفي قطاع السكك الحديدية. حالة محطات القطار المتردية دفعت أحد السياح إلى التعليق قائلا: “جئنا لنرى أين تذهب أموال الضريبة التضامنية (المخصصة لشرق ألمانيا) التي تُقتطع من أجورنا كل شهر”. لتجيبه مرافقته متهكمة “بالتأكيد لم تصل هذه الأموال إلى هنا”!.
هذا ما حصل، وما تشنه الولايات المتحدة الاميركية وأوروبا ايضا من حروب وتوسع امبريالي وخطط هيمنة وتفرد، تقودها وتديرها اليوم، توصل إلى بناء جدار جديد، ربما تكون مفاعيله اشد خطرا على الانسانية والعالم.

إلى الأعلى