الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / “حقوق الإنسان .. أو.. الفوضى”

“حقوق الإنسان .. أو.. الفوضى”

محمد عبد الصادق

”.. للأسف نجح الإخوان والجماعات المتطرفة الإرهابية في السيطرة على هذه الوسائط الإلكترونية الحديثة، واستخدموها لبث أفكارهم الضالة واستطاعوا من خلالها تجنيد الآلاف من الشباب الصغير لينضموا لصفوف الجماعات الإرهابية في حربها الضروس ضد النظام الحاكم في مصر الذي ألصقوا به تهمة إسقاط المشروع الإسلامي، بعدما أطاح السيسي برئيسهم محمد مرسي من الحكم في 30/6/2013م .”
ـــــــــــــــــــــــــــ
لم أكن أتخيل أن الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك يمتلك كل هذا الجبروت، وكنت أظن أن جملته الشهيرة في آخر أيام حكمه “أنا أو الفوضى” نوع من المبالغة أو (حلاوة الروح) ليبقي على عرشه الذي أوشك على الانهيار أكبر وقت ممكن، لكن بعد مرور قرابة أربعة أعوام على تنحيه عن الحكم، يتكشف لنا كل يوم فصل جديد من الفوضى التي تعيشها مصر منذ سقوط نظام مبارك، حتى صرنا نتحسر على يوم من أيامه الفاسدة، فيكاد لا يمر يوم دون وقوع كارثة، نتيجة الفوضى والإهمال والفساد الذي ضرب بأطنابه كل شبر على أرض مصر، ويخلف وراءه مئات الأرواح التي تزهق سدى وآلاف المصابين الذين يحتاجون العلاج والرعاية ما بقي لهم من عمر.
ورغم المحاولات الحثيثة من مؤسسة الرئاسة والحكومة المصرية للجم الفوضى، ومحاولة كبح جماح الإهمال والفساد، ولكن اتضح أن دولة مبارك الفاسدة أقوى وأكبر من قدرة الحكومة والسلطة الحاكمة، التي ظنت أن عزف انشودة الأمل، والاعتماد على رفع المعنويات، والاتجاه للمستقبل، وتعبئة وسائل الإعلام للترويج للنظام، وتسويق خطط الحكومة المستقبلية، كفيل وحده بإعادة الأمن والاستقرار، وتعافي الاقتصاد ومحاربة الإرهاب وإعادة اللحمة الوطنية، دون أن “تضرب معولاً” في معبد الفساد أو تعيد بناء المؤسسات الحكومية الفاسدة التي نخر فيها السوس ولم يعد يجدي معها ترقيع أو مسكنات، فغضت الطرف عن العشوائية والفوضى والفساد، مخافة الاصطدام بزبانية الدولة المباركية العميقة، أو تضعضع التحالف الشعبي في مواجهة الإخوان والإرهاب.
والرئيس السيسي وحكومته ينتهجون حتى الآن أساليب تقليدية في محاربة الإرهاب، ويركزون على مخاطبة الوجدان الشعبي، ومغازلة الحس الوطني لدى المواطن المصري البسيط الذي أنهكه الفقر وأصيب باليأس من كثرة المآسي والمحن التي مر بها، ويعول السيسي بشدة على إعلام حكومي وخاص ـ غارق في التسطيح والممالأة ـ في تجييش الرأي العام ضد الإخوان والجماعات الإرهابية، متناسياً أن هناك تغيرات كبيرة طرأت على وسائل الاتصال، بظهور “الإنترنت” وشبكات التواصل الاجتماعي التي سحبت البساط من الصحف والمجلات الورقية، ومحطات الإذاعة وقنوات التلفاز ـ خصوصاً في أوساط الشباب ـ فالمتلقي يستطيع من خلالها الحصول على الخبر، أو إرسال الخبر وقت حدوثه والوصول للمعلومة التي يريدها على هاتفه الزكي وقتما شاء دون عناء.
وللأسف نجح الإخوان والجماعات المتطرفة الإرهابية في السيطرة على هذه الوسائط الإلكترونية الحديثة، واستخدموها لبث أفكارهم الضالة واستطاعوا من خلالها تجنيد الآلاف من الشباب الصغير لينضموا لصفوف الجماعات الإرهابية في حربها الضروس ضد النظام الحاكم في مصر الذي ألصقوا به تهمة إسقاط المشروع الإسلامي، بعدما أطاح السيسي برئيسهم محمد مرسي من الحكم في 30/6/2013م .
ولم تتورع هذه الجماعات في تحويل هذه الوسائط الإلكترونية إلى مصدر للشائعات، ووسيلة لنشر الأكاذيب وإشاعة البلبلة ونشر الفوضى والفتن والتناحر بين أفراد المجتمع، مستخدمين لغة عنيفة مليئة بالألفاظ الخارجة والعبارات البذيئة، ضاربين عرض الحائط بالأخلاقيات والمثل العليا التي يحثنا عليها ديننا الحنيف.
وعلى الرئيس السيسي وحكومته إذا أراد الظفر في هذه المواجهة المستعرة مع الإخوان، تسريع وتيرة الإنجاز، ومكافحة حالة التراخي واللا مبالاة المتفشية في الجهاز الإداري للدولة، والتخلي عن الوسائل والأساليب التقليدية، والالتزام بالشفافية والمصداقية والمكاشفة، واستخدام أدوات جديدة في مواجهة اللجان الإلكترونية النشطة للإخوان التي استغلت أخطاء الحكومة وتكرار حوادث الإهمال في المدارس والمستشفيات، وسوء الخدمات الحكومية وحوادث الطرق الناتجة عن فوضى المرور وإهمال الصيانة، وفساد بعض رجال الشرطة ـ في تأليب الشباب المشحون أصلاً ضد السيسي وحكومته، وإظهار النظام كأنه عاجز عن إدارة شؤون مصر.
هذه اللجان الإخوانية قامت في سبيل تحقيق أهدافها بتلفيق الصور وتزييف مقاطع الفيديو، وتزوير المستندات ـ كما حدث مؤخراً خلال انعقاد مؤتمر جنيف لحقوق الإنسان؛ حيث قامت جماعة الإخوان وحزب الحرية والعدالة بتوزيع مستندات مزورة على الوفود المشاركة، مزعوم صدورها عن المجلس الدولي لحقوق الإنسان، وقرار مزور صادر عن المفوضية الإفريقية لحقوق الإنسان بشأن أوضاع حقوق الإنسان في مصر، في مسعاها الحثيث لاستصدار قرار دولي بإدانة حالة حقوق الإنسان بمصر.
إن مصر تحتاج بشدة لعودة السلام الاجتماعي وتحتاج لعودة الشباب لحضن الوطن، ولن يتأتى ذلك إلاً باحترام السلطة الحاكمة لحقوق الإنسان وحقه في العيش الحر، الكريم، والحرص على عدم التمييز بين المواطنين بسبب جنس أو لون أو عقيدة، أو وضع اجتماعي أو اقتصادي، فالحفاظ على الكرامة الإنسانية وعدم امتهانها ليست بدعة تم استيرادها من الغرب كما يحاول أن يروج البعض، بل هي قيمة سامية مستمدة من ديننا الحنيف، ففي سورة الإسراء يقول تعالى: ” ولقد كرمنا بني آدم” والتكريم ينسحب إلى كل ما يخص حياة الإنسان .
ومصر من أوائل الدول التي وقعت على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية عام 1966م، وجميع الاتفاقيات والمواثيق الدولية المتعلقة بصيانة حقوق المرأة والطفل، ودستور 2014م الذي وافق عليه الشعب المصري بأغلبية كاسحة جعل احترام الحقوق، والحريات من مقومات النظام الأساسي للدولة، وأفرد باباً كاملاً يفصل هذه الحقوق مثل حق الإضراب السلمي، التزام الدولة بكفالة الحق في التعليم والصحة والعمل لكل مواطن، حرية الفكر، والرأي والبحث العلمي والإبداع الفني والأدبي، وغيرها من الحقوق والواجبات التي توفر حياة كريمة للجميع.

إلى الأعلى