الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : هل مبادرة ميستورا استنساخ لمهمة المراقبين العرب؟

شراع : هل مبادرة ميستورا استنساخ لمهمة المراقبين العرب؟

خميس التوبي

مجددًا تعود مدينة حلب إلى واجهة الأحداث من خلال مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا ستيفان دي ميستورا تحت عنوان “تجميد القتال” هذه المرة.
ونحسب أن المبعوث الأممي ينطلق في مبادرته من قناعاته الشخصية بأن الحل في سوريا هو حل سياسي سلمي محض يصنعه السوريون أنفسهم، وليس عسكريًّا، خاصة بعدما جال دي ميستورا في سوريا ورأى بأُم عينيه الدمار الهائل والتخريب الممنهج من قبل العصابات الإرهابية المدعومة من معشر المتآمرين على سوريا، وما ترتب عليه من تهجير لعشرات الآلاف من الأسر، ومحاصرة عشرات آخرين من قبل تلك العصابات الإرهابية التي لم توفر عملًا دنيئًا إلا ومارسته، وليس فقط نهب ما تبقى من فتات العيش من منازل المواطنين السوريين وسرقة قطعة الخبز من أفواه الأطفال، وتجريف الأرض السورية بمزارعها ومصانعها وثرواتها من الحبوب والنفط والغاز.
إلا أن مبادرة المبعوث الأممي لا تزال مبهمة وغير معروفة المعالم، فهو لم يكشف عن ملامحها بعد، ويبدو أنها في طور التبلور بدءًا من لقاءاته التي بدأها أمس الأول مع الرئيس السوري بشار الأسد ومع متزعمي مجموعات إرهابية. وفي ظل البراجماتية التي تنتهجها القيادة السورية وانفتاحها على أي حل أو جهد من شأنه أن يوقف الإرهاب عن الشعب السوري المدعوم من قبل قوى إقليمية ودولية، وسعي القيادة السورية إلى إنهاء الأزمة وتحقيق تطلعات الشعب السوري بالحوار الوطني السوري ـ السوري، فقد أبدى الرئيس السوري اهتمامه بالمبادرة واعدًا دي ميستورا بدراسة مبادرته، وبمحاولة العمل عليها من أجل بلوغ أهدافها التي تصب في عودة الأمن إلى مدينة حلب.
وعلى الرغم من عدم القدرة على الجزم بنجاحها، فإنه أيضًا لا يجوز التقليل منها كبداية للحل السياسي السلمي الذي بات يؤمن به ميستورا ويعلنه، بشرط أن تخلص النيات وتتجاوب معها القوى المشكِّلة لمعسكر التآمر والعدوان وأدواتهم الإرهابية، ووجود الضمانات اللازمة.
واتكاءً إلى ما سبق من خطوات لمعشر المتآمرين على سوريا سوَّقوها على أنها لحل الأزمة السورية، فإن هناك شكوكًا كبيرة لا تزال تحوم في سماء مبادرة دي ميستورا رغم عدم وضوح معالمها بدايةً ونهايةً، وما يمكن أن يجعل هذه الشكوك تُكوِّن غيمةً سوداء على المبادرة الآتي:
أولًا: الحماس المريب لمعسكر التآمر والعدوان والذي رافق مهمة بعثة المراقبين العرب بقيادة السوداني الفريق المتقاعد محمد أحمد الدابي، حيث كانت مهمة البعثة تدور حول مراقبة وقف إطلاق النار، والتزام الحكومة السورية بإبعاد الأسلحة الثقيلة من داخل المدن إلى خارجها، وقد التزمت الحكومة السورية فعلًا بما أعلنته من تنفيذ لشروط وصول البعثة ومباشرة مهامها، وجاء تقرير الفريق الدابي موضوعيًّا ومنصفًا ومؤكدًا ومشيدًا بالالتزام السوري، رافقت مهمة البعثة حملة تشكيك وتحريض وتضليل شعواء ضد الحكومة السورية. إلا أن الحقيقة الصادمة هي أن مهمة البعثة كانت غطاء لتهريب السلاح والإرهابيين إلى داخل المدن السورية الكبرى كحمص وحلب ودرعا ودير الزور وريف دمشق. ولما تحقق الأمر أفشل المتآمرون مهمة البعثة ليعقبه اجتماع للجنة المتابعة العربية حول سوريا فيختتم الاجتماع بدعوة أعضاء جامعة الدول العربية إلى فتح صنابير الأموال والتسليح للعصابات الإرهابية كل حسب قدرته وطريقته.
اليوم نجد الحماس ذاته لمبادرة دي ميستورا من قبل معشر المتآمرين وسط حملة تشكيك مماثلة في إمكانية التزام الحكومة السورية بذلك، ما يعني إمكان تكرار السيناريو ذاته بهدف منع تقدم الجيش العربي السوري وعرقلته، حيث تشير الأنباء الواردة من مدينة حلب أن الجيش يتقدم بصورة سريعة، وأن مسألة استعادة السيطرة الكاملة على حلب من العصابات الإرهابية هي مسألة وقت بسيط.
ثانيًا: إن ما تسوِّق له الولايات المتحدة من “معارضة معتدلة” وتراهن عليه في تحقيق أجندتها من تدخلها في الشأن الداخلي السوري ودعمها العصابات الإرهابية ودعمها بما تحتاجه من مال وسلاح، آخذ في التلاشي نتيجة الضربات الدقيقة والموجعة التي يوجهها الجيش العربي السوري لتلك العصابات الإرهابية المصنفة أميركيًّا بـ”المعتدلة”، وكذلك نتيجة ضربات “داعش” لها، بالإضافة إلى اقتتال بعضها بعضًا في ظل التنافس الحاد بينها على من يفوز بأن يكون ذراع الإرهاب الأولى ويقدم شهادة عمالته لسيده الصهيو ـ أميركي. ولذلك فإن المبادرة من منظور أميركي قد تكون مخرجًا لإنقاذ ما تبقى من فتات العصابات الإرهابية التي يراهن عليها الصهيو ـ أميركي ويسميها “المعارضة المعتدلة”، فضلًا عن أن حلب تشكل امتدادًا حتى الحدود الشمالية السورية (الحسكة والقامشلي وعين العرب)، وتثبيت العصابات الإرهابية في مواقعها بمدينة حلب مع تثبيت عصابات ما يسمى الجيش الحر في الشمال في عين العرب والحسكة ومن معه من المجاميع الإرهابية، يمكن أن يحقق ما كان يسعى إليه معسكر التآمر والعدوان وهو “التوازن على الأرض” ليكون ورقة بيده يساوم عليها، لا سيما وأن هناك حديثًا عن عودة لمؤتمر جنيف في نسخته الثالثة.
حتى لو سلمنا جدلًا أن معشر المتآمرين باتوا مقتنعين بأن ما عجزوا عن تحقيقه بالعسكرة سيحققونه بالسياسة، فإن مبادرة دي ميستورا ستواجه تحديًا صعبًا وهو أن العصابات الإرهابية التي تدمر سوريا وتبيد الشعب السوري وتهجره، ليس لديها قيادة تحكم وسيطرة، فهي عصابات منفلتة مغيبة الوعي منزوعة الدين والقيم والأخلاق، لا تتورع عن القيام بأي شيء، بحكم الولاءات المتعددة، فإذا كانت العصابات الإرهابية الممولة من قبل تركيا على سبيل المثال يمكن السيطرة عليها، لا يمكن السيطرة على ما يسمى “جبهة النصرة” ومن معها والمتحالفة عضويًّا مع كيان الاحتلال الصهيوني والمدعومة من قبله. ولذلك فإن رد الرئيس السوري بشار الأسد كان ردًّا سياسيًّا دبلوماسيًّا يأخذ في الاعتبار الظروف الحالية وما سبق من تجارب للحل أفشلها المبادرون أنفسهم من معسكر التآمر العدوان.

إلى الأعلى