الثلاثاء 14 يوليو 2020 م - ٢٢ ذي القعدة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الإعجاز البلاغي في آيات سورة الفتح (الفتح الأعظم فتح مكة) (4)

الإعجاز البلاغي في آيات سورة الفتح (الفتح الأعظم فتح مكة) (4)

.. وكذا اعتراف امرأة العزيز نفسها صراحة أمام النسوة، وإقرارها في نهاية القصة تمامًا بأنها هي التي فعلت كل ذلك، وأنه العفة نفسها، والطهر كله، كما قال القرآن الكريم:(.. أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين)، والآية هنا كلها كناية عن سعة المغفرة، وشمـول الرحمة لرسـول الله (صلى الله عليه وسلم)، ثم تواصلت الفيوضات الربانية، والرحمات الإلهية للرسول الكريم:(ويتمَّ نعمته عليك) وإتمام الشيء إكماله إكمالاً كاملاً، ووضعه موضع الانتهاء، والتتميم التام وقوله:(عليك) شبه جملة يفيد شمول هذا الإتمام له، وإحاطته به.
فالحرف (على) يفيد العِلِّية، والتمكن، والاستعلاء، وكأن النعمة غمرتْه غمراًكاملاً من كل جانب، وأحاطت به من كل سبيل، كأنها تغطيه تغطية كاملة لأنها عُلْويَّة، فوقية، والكاف في (عليك) للتخصيص، فهو المخصوص بها دون غيره، والإضافة في (نعمته) تفيد التشريف، وبيان جلال النعمة، وكمالها، فهي من الله صاحب النعم، ومنشئ المنن، وأهلِ كلِّ فضل، ثم جاءت المنة الكبرى في قوله سبحانه:(ويهديك صراطاً مستقيماً) فهي كناية عن المحبة الكبرى من الله لنبيه الكريم، والفعل المضارع (يهديك) يفيد الاستمرار، فالهداية سرمدية، أبدية، وتنكير (صراطاً) يفيد اتساعه وشموله لكل ألوان الاستقامة، وأنواع الخير، وأطياف الصلاح، ووصفه بأنه (مستقيم) فيه استعارة مكنية، حيث وصفه بإنسان مستقيم، يعرف هدفه، ويدرك رسالته، ويحسن وظيفته، وفيه تشخيص للمعنوي في صورة المحسوس لبيان رسوخه في الهداية، وإدراكه لكل ألوان الاستقامة، وتنكيره يعني شموله كذلك لكل معاني وألوان وسبل الاستقامة، والاعتدال، فالصراط نفسه مستقيم، ومن المؤكد أن الذي يمشي عليه يكون مستقيمًا لأن أصله الاستقامة، والطريق المستقيم يمضي بمن عليه إلى تحقيق هدفه سريعًا، والآية كلها كنايات عن طهر الطريق، وسلامته، واستقامته، وحسن استوائه، ثم تختتم بقوله تعالى:(وينصرك الله نصراً عزيزاً) عطف على بدء، واستمرار لألوان الفضل، واستدرارٌ لكل معاني العطاء، كما أن الفعل(ينصرك) مضارع، وهو يفيد الاستمرار، والفاعل هو الله تعالى، والكاف كناية عن الرسول الكريم، وكله تشريف، وبيان المنزلة، ورفعة المكانة للرسول الكريم، حيث خصه بالكاف الراجعة إلى شخصه الكريم، وتقديم المفعول هنا وجوبا بسبب الحصر يبين قدره، وعلو منزلته عند ربه، ثم جاءت الجملة الفعلية مؤكدة بالمفعول المطلق المؤكد للفعل، والمبين كذلك للنوع:(نصراً عزيزاً)، أيْ: نصراً مؤزّراً، لا قيام بعده للمهزوم، وانتهاء تام له، والله تعالى عندما يصف شيئا بأنه عزيز، أيْ أنه لا يغلب، ولا يقارَن به، ولا يدانى، فضلاً عن أن يسامى، أو يقترب منه.
لقد دخلت الآياتِ جملةٌ من التوكيدات، منها أسلوب توكيد الجمل الاسمية بـ(إنَّ) وأسلوب توكيد الجمل الفعلية بالمفعول المطلق المؤكد للفعل، والمبين للنوع، وأسلوب التعليل، وأسلوب المقابلة والتضاد، وأسلوب القصر، وأسلوب التقديم والتأخير، وكل ذلك مصحوب بالكنايات الموضِّحة لمكانة الرسول الكريم، ومنزلته عند ربه، وأن الله قد تولَّى هذا الفتح من ألفه إلى يائه، والفاعل في كل أحداثه هو الله جل جلاله، وعز في سماه، وتقدس في علاه، ونأخذ كل ذلك في إطار: (وهو على كل شيء قدير)، فنسأل الله تعالى أن يُمكِّن للإسلام، والمسلمين، ويفتح لهم، وينصرهم نصراً عزيزاً، مؤزّراً، ويأذن لدينه أن يسود، ويرود، ويقود، ويحكم الأرض كلها حتى ينعم الناس بعطاءات الله، ويستنزلوا كرمه، ويستأهلوا عفوه، وتشملهم رحمته، وتغشاهم مغفرته، وأن يتم الله علينا النعمة كاملة، وأن يكتب لنا أن نكون من أهل النصر والتمكين، وأن يرينا في حياتنا التمكين لدينه، وأن يكون العالم أجمع قد دان لله، وخضعت رقابه لجلاله، وخشعت القلوب فيه لعظمته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

إلى الأعلى