الأحد 29 نوفمبر 2020 م - ١٣ ربيع الثانيI ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / أولاد الأنبياء والرسل في كتاب الله (19)

أولاد الأنبياء والرسل في كتاب الله (19)

.. وقيل: فاصطادوا ذئباً ولطخوه بالدم، وأوثقوه بالحبال، ثم جاءوا به يعقوب وقالوا: يا أبانا إن هذا الذئب الذي يحل بأغنامنا ويفترسها، ولعله الذي أفجعنا بأخينا لا نشك فيه، وهذا دمه عليه، فقال يعقوب: أطلقوه، فأطلقوه، وتبصبص له الذئب، فأقبل يدنو منه، ويعقوب يقول له: ادنُ ادنُ، حتى ألصق خده بخده، فقال له يعقوب: أيها الذئب لم فجعتني بولدي وأورثتني حزناً طويلاً؟! ثم قال: اللهم أنطقه، فأنطقه الله تعالى فقال: والذي اصطفاك نبياً ما أكلت لحمه، ولا مزّقت جلده، ولا نتفت شعرة من شعراته، والله! ما لي بولدك عهد، وإنما أنا ذئب غريب أقبلت من نواحي مصر في طلب أخٍ لي فُقِد، فلا أدري أحيٌّ هو أم ميت، فاصطادني أولادك وأوثقوني، وإن لحوم الأنبياء حُرّمت علينا وعلى جميع الوحوش، وتالله! لا أقمت في بلاد يكذب فيها أولاد الأنبياء على الوحوش، فأطلقه يعقوب وقال: والله لقد أتيتم بالحجة على أنفسكم، هذا ذئب بهيم خرج يتبع ذمام أخيه، وأنتم ضيعتم أخاكم، وقد علمت أن الذئب برئ مما جئتم به. (تفسير القرطبي 9/ 151)، وقيل: عندما أرادوا أن يخرجوا به، ولكنَّه لم يتمكَّن من منعه عنهم، وإنه إذ لم يتمكَّن من منعه عنهم أبدى مخافته من أن يأكله الذئب، وقد كانت منه هذه الكلمة، وكأنَّها كانت توجيهًا لهم ليبدوا العذر الذي يعتذرون به، فجاءوا واعتذروا بأن الذئب أكله، فمن كلامه ابتدعوا قولهم ابتداعًا، ولكنهم جاءوا أباهم عشاءً يبكون، فما سر هذا البكاء؟ ذلك أنهم إذا فعلوا فعلتهم كان فيهم بقية من شفقة، فكان هذا البكاء، كما ندم أحد ابني آدم عندما قتل أخاه، وإنَّ يعقوب ـ عليه السلام ـ لم يصدق كل التصديق قولهم، بل لم يصدق مطلقًا، واستعان بالصبر الجميل، وهو الصبر من غير أنين، وجدير أن يكون من النبيين، ولا شك أنَّ في هذا كله توجيهات نفسية لمن يتدبّر ويعتبر ويستبصر، وكان حقًّا على الذين يدرسون مجتمع الأسرة أن يجعلوا من هذا مثابة للدرس يدرسونه ويبنون عليه، ويسترشدون به.(المعجزة الكبرى القرآن ص: 380)،المحطة الخامسة:(قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ)(يوسف ـ ٧٧)، قالوا:(إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ) وبذلك ثارت في نفوسهم الغيرة القديمة، وإذا كانت في أوّل أمرها قد دفعتهم إلى القتل، أو السير في سبيله، فقد دفعتهم هذه المرة إلى الكذب ورمي البريء بالسرقة (فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ)، فأحسوا بالتبعة عند لقاء أبيهم، كذا في (المعجزة الكبرى القرآن ص: 382)،وَذكروا أَيْضاً أَخذ يُوسُف ـ عَلَيْهِ السَّلَام ـ أَخَاهُ وايحاشه أَبَاهُ ـ عَلَيْهِ السلام ـ مِنْهُ، وَأَنه أَقَامَ مُدَّة يقدر فِيهَا على أَن يعرف أَبَاهُ خَبره، وَهُوَ يعلم مَا يقاسى بِهِ من الوجد عَلَيْهِ، فَلم بِفعل وَلَيْسَ بَينه ينه وَبَينه إِلَّا عشر لَيَال، وبإدخاله صواع الْملك فِي وعَاء أَخِيه وَلم يعلم بذلك سائر إخوته، ثمَّ أَمر من هتف (أيتها العير أَنكُمْ لسارقون) وهم لم يسرقوا شَيْئاً، وَنحن نبين ذَلِك بحول الله تَعَالَى وقوته فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد: أما أَخذه أَخَاهُ وايحاشه أَبَاهُ مِنْهُ فَلَا شكّ فِي أَن ذَلِك ليرفق بأَخيه، وليعود أخوته إِلَيْهِ، ولعلهم لَو مضوا بأَخيه لم يعودوا إِلَيْهِ، وهم فِي مملكة أُخْرَى، وَحَيْثُ لَا طَاعَة ليوسف ـ عَلَيْهِ السَّلَام ـ وَلَا لملك مصر هُنَالك، وليكون ذَلِك سَبباً لاجتماعه، وَجمع شَمل جَمِيعهم، وَلَا سَبِيل إِلَى أَن يظنّ برَسُول الله يوسف (عليه السلام) الذِي أُوتى الْعلم والمعرفة بالتأويل إِلَّا أحسن الْوُجُوه، وَلَيْسَ مَعَ من خَالَفنَا نَص بِخِلَاف مَا ذكرنَا، وَلَا يحل أَن يظنّ بِمُسلم فَاضل عقوق أَبِيه، فَكيف برَسُول الله (صلى الله عَلَيْهِ وَسلم)؟! وَأما أَنه أَقَامَ مُدَّة يقدر فِيهَا ويتعف أَبِيه خَبره، وَلم هَذَا؟ لِأَن يَعْقُوب فِي أَرض كنعان من عمل فلسطين فِي قوم رحالين خصاصين فِي لِسَان آخر وَطَاعَة أُخْرَى وَدين آخر وَأمة أُخْرَى كَالَّذي بَيْننَا الْيَوْم وَبَين من يضافينا من بِلَاد النَّصَارَى وَغَيرهَا ، فَلم يكن عِنْد يُوسُف ـ عَلَيْهِ السَّلَام ـ علم بعد فِرَاقه أَبَاهُ بِمَا فعل وَلَا حَيّ هُوَ أَو ميت أَكثر من وعد الله تَعَالَى بِأَن ينبئهم بفعلهم بِهِ وَلَا وجد أحدا يَثِق بِهِ فَيُرْسل إِلَيْهِ، وَلم يكن الْأَمر حِينَئِذٍ كَذَلِك وَلَكِن أَنه حِين أمكنه لم يُؤَخِّرهُ واستجلب أَبَاهُ وَأَهله أَجْمَعِينَ عِنْد ضَرُورَة النَّاس إِلَيْهِ انقيادهم لَهُ للجوع الَّذِي كَانَ عَمَّ الأَرْض، وامتيازهم من عِنْده فانتظر وعد ربه تَعَالَى الَّذِي وعده حِين ألقوه فِي الْجب، فَأتوهُ ضارعين راغبين كَمَا وعده تَعَالَى فِي رُؤْيَاهُ، فَهَذَا كَانَ أَمر يُوسُف ـ عَلَيْهِ السَّلَام.

إلى الأعلى