الإثنين 30 نوفمبر 2020 م - ١٤ ربيع الثانيI ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قراءة بلاغية في آيات سورة القدر “1-2″

قراءة بلاغية في آيات سورة القدر “1-2″

د.جمال عبدالعزيز أحمد*
كلما اقتربت العشرُ الأواخر حنَّ القلبُ إلى ليلة القدر، وهشَّ، وبشَّ، ومنَّى نفسه أن يدركها، ويحصل فضلها، فهو يستعد لها، ويجهز ذاته وروحه لاستقبالها، وحسن استثمار وقتها، وعدم ضياع لحظة من لحظاتها، ويرجو ربه جاهدًا داعيًا باكيًا صافيًا أن يكون من أهلها، وأن يكتب اسمه فيمن يقدِّر الله لكثير من خلقه أن يدركوها، ويهلِّل منه الفؤاد في كلِّ وتر من أوتار هاتيك العشر المباركة، ويصلِّي كثيرًا من السنن، ويجتهد ما وسعه الاجتهاد في قيام الليل، ويديم قراءة هذه السورة الجليلة؛ لكي يدخل تحت جلالها، ويشمله كمالُها، ويعيش بين أفنان كلماتها، ويعتبق بعضًا من مسكها، ويتفيأ ظلالها، ويعيش معانيها، ويتذوق جلال ألفاظها، وسمو ظلال تراكيبها، ويتأمل معطياتها، ويتجول في بساتينها وحدائقها، ويشتم عبيرها، ويعتبق أريجها، يقول الله تعالى:(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْر). وهذه وقفات بلاغية كثيرة، وجوانب بيانية عديدة، تتخلل السورة المباركة، وأول تلك النكات البلاغية، واللمسات البيانية أنها كلها جمل اسمية، والجمل الاسمية تحمل معنى ثبات الدلالة، واستمرار الحكم، وأزلية المعنى، وتواصل المفهوم، واستدامة الكمال الموجود بين طياتها، وهنا نعدِّد ونرصد تلك الجمل الاسمية العشر، وأولها (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)، فهي اسمية مؤكدة بـ (إنَّ)، ثم قوله تعالى:(وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ) فهي اسمية بادئة (بما) الاستفهامية التي تفيد التعظيم، والتبجيل، والرفعة، ثم قوله سبحانه:(لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ)، ثم قوله ـ جلّ جلاله:(تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا) هي عند النحويين في بعض أعاريبها خبرٌ لـ(ليلة القدر)، والسياق من قبلُ يوضح ذلك، (أي: ليلة القدر تنزَّل الملائكة والروح فيها)، ثم قوله تعالى:(والروحُ فيها) فهي الأخرى جملة اسمية، ثم قوله سبحانه:(بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ) فهي جملة اسمية حيث إنَّ (سلام) مبتدأ مؤخر، وقوله:(ومن كل أمر) خبر مقدم، ثم قوله عزوجل:(سَلَامٌ هِيَ) بتقديم وتأخير، ثم قوله عزوجل:(هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) فهي مبتدأ، وشبه الجملة:(حتى مطلع الفجر) خبر الضمير هي، فتحصَّل لدينا الآن عشرُ جملٍ اسمية، على اختلاف في التوجيه النحوي بين المعربين، واستعمال الجملة الاسمية يعني ـ كما سبق القول ـ الثبات في الحكم، والاستمرار في المعنى على الدوام، وهو أصل إفادة الجمل الاسمية، وسببُ استعمالها عند العرب، وخصوصاً أنهم تستعمل في الأمور العقدية ذات الثوابت السرمدية، نحو: (الله نور السموات والأرض)، ونحو:(الله أعلم حيث يجعل رسالته)، ونحو:(والآخرة خير وأبقى)، ونحو:(والله على كل شيء قدير)، وهكذا، فهي تبيِّن وترسخ ثبات الدلالات، واستدامة الأحكام، وتأكيدها، فهي ـ كما يذكر علماء البلاغة ـ تقرِّر حقائق، وترسخ مفاهيم، وتعمِّق دلالات، وتُنبِت اليقين، وتجعل المعاني متجذرةً في القلب، والوعي، والحس، والفكر والذهن، ثم إن هناك جانبًا آخر من جوانب البيان والبلاغة، وهو ورود عدة أساليب ترسِّخ، وتمكِّن لمنزلتها، ورفعتها، ومكانتها في نفس كلِّ مسلم، قارئ لهذا الكتاب الكريم، وصائم لهذا الشهر الفضيل، ومقبل على التزود بالطاعة، والعبادة، وتلاوة القرآن الكريم.
ومن تلك الأساليب الواردة في هذه السورة الكريمة الآتي: أسلوب التوكيد، حيث بدأت بـ(إنَّ) في قولهتعالى:(إنا أنزلناه في ليلة القدر)، وأسلوب التعظيم، حيث استعملت (نا) الدالة على العظمة والقدسية، دون غيرها من الضمائر في قوله سبحانه:(إنا أنزلناه) سواء وقع ذلك في اسم (إنَّ) أو في فاعل (أنزل) وهو الضمير (نا الالة على الفاعلين) مما يدل على عِظَمها، وكمالها، وجلالها، فالله بذاته العلية تولَّى الحديث عنها، وعن إنزالها، وتشريعها، وجعل كتابه الخالد ينزل فيها، وكلُّ شيء معظَّم يكون قدره ومكانته بقدر ومنزلة مَنْ قدَّمه، وسنَّه واشترعه، والله هو الذي سنَّها وأنزل كتابه فيها، وتفضل بها، وكلل كمالَها بإنزال القرآن الكريم، وهو كتاب الدنيا كلها إلى قيام الساعة فيها، ومنها كذلك أسلوب الإحالة بالضمير:(إنّا أنزلناه) فالهاء في (أنزلناه) علام تعود؟ والآية هنا هي أول آية في السورة الكريمة، ومن عادة العرب في حديثهم أنهم يقدمون الاسم الظاهر، ليصح عود الضمير عليه، نقول مثلاً:(جاء زيد وهو مسرور)، و(رأيت علياً وهو يبتسم)، و(جاءت به أسماء وهي تتأنق في مشيتها)، و(خرجت بسمة وهي تتألق نوراً)، وهكذا”، فعلام يعود الضمير وهو وارد في أولها؟ لو قلنا: إنه يعود على ما ورد في سورة الدخان من قوله تعالى:(إنا أنزلناه في ليلة مباركة) لعاد التساؤل نفسه: علام يعود الضمير؟، ونظل نرجع بالقراءة والتلاوة إلى الوراء، أول القرآن الكريم، ونمضي سورة وراء سورة حتى نعلم أنه عاد على قوله تعالى في سورة البقرة:(شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن..) فالهاء في كلٍّ من (أنزلناه) في سورة القدر، و(أنزلناه) في سورة الدخان اخترقت عشرات السور القرآنية لتشير بأشعتها إلى الآية رقم (185) من سورة البقرة التي ذكر فيها لفظ الاسم الظاهر الذي عاد عليه الضمير(القرآن) ذلك الكتاب الكريم، وهنا عاد الضمير في (أنزلناه) على هذا الاسم الظاهر حيث عاد الضمير إليه، والتف حانيًا عليه، وهذا يوضح لُحْمة القرآن الكريم، فآخره يعود على أوله، وينضح أوله من خيره على آخره، فهو كالنَّفَس الواحد، والجملة الواحدة، فأسلوب الإحالة واردٌ في سورة القدر بهذا العطاء الكبير، وهذه الدلالة الرائعة، فأول القرآن يعانق آخره، وآخره يحتضن أوله، ثم يأتي بعد ذلك أسلوب الاستفهام التفخيمي الذي يراد به التعظيم، والتبجيل لهذه الليلة ولِمَا نزل فيها من الخير والنعم، والفضل والمنن:(وما أدراك ما ليلة القدر) حيث تكرر الأسلوب مرتين لزيادة الانبهار، والتعظيم، أيْ أيُّ شيء أدراك عظمتها، وجلالها وكنه كمالها؟!، ويليه أسلوب الجواب عن السؤال، فبعد أن يسأل:(وما أدراك ما ليلة القدر) عاد فأجاب عن هذا السؤال؛ لإدخال الراحة والاستقرار في نفس المستمع، وغرسه في حسه، وتمكين الجواب في وعيه، ثم جاء أسلوب التفضيل المتمثل في قوله:(خير من ألف شهر) حيث إنَّ أصلها (أخير) بوزن أفعل، أيْ ليلة القدر أخير، وأكثر فضلا، وخيرية من عدة ألف شهر ليست فيها ليلة قدر، أي خير من آلاف السنين، ثم يأتي بعد ذلك أسلوب التخفيف الذي يتناسب مع التيسير الذي نزل مع السورة، والتخفيف الذي رافق تَنَزُّلها حيث اتضح ذلك من حذف التاء من (تنزلُ) فأصلها:(تتنزل الملائكة) بتاءين، فحذف التاء الأولى تخفيفًا وتيسيرًا، وإشارة إلى أنها ليلة تيسير، وتخفيف، ورحمة، وعفو، ومغفرة، وتخفيف الأحمال عن الناس، وغفران أوزارهم، فكله عند الله يهون، ويُغفَر، ويتسامح فيه، ويسهل على المؤمن، ويخف حمله عن كاهلهم ؛لأنهم في النهاية عباد لله، ومؤمنون به، ولكن أنفسهم ضعفت قليلا، وكذلك ورد فيها أسلوب العطف المتمثل في قوله تعالى:(وما أدراك)، وقوله:(والروح فيها) فقد عطفت ما بعدها على ما قبلها، والعطف هو العود بحنان، ورقة، وهو الحاصل في دلالات السورة، ومكانة الليلة، وجلال الزمن، ورفعة الوقت، ومهابة الموقف، وجمال الطاعة، وكمال المثوبة، وجلال القرب، وسعة العطاء، وكريم المنِّ.
للموضوع بقية بإذن الله

إلى الأعلى