الأحد 29 نوفمبر 2020 م - ١٣ ربيع الثانيI ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / حقّا إنه عيد صامت!

حقّا إنه عيد صامت!

محمود عدلي الشريف:
يقف الإنسان مفكّراً ومتحيّراً في عجيب حكم الله تعالى التي لا تنتهي ولا تنقطع، ولا يدرك منها إلا ما ظهر منها، ولكن ما خفي منها كان أعظم، فمثلاً حينما نفكر في جائحة كورونا (كوفيد ـ 19)، والتي اجتاحت العالم وأصابت الملايين من البشر، ومات منها الآلاف، وخسرت الجوانب الاقتصادية بما لا يخفى على أحد، والجدير بالذكر أن هناك من العلماء من قال أنها ليست من صنع البشر! وهنا يقف العقل حائراً متسائلاً: لماذا هذا؟ ما سببه؟ وما دواعيه؟ وعلى ما ستسفر نتائجه؟ كل هذا من وغيره من الأسئلة التي احتارت في إجابتها الألباب، وتاهت في حكمتها العقول، فسبحان الذي خلق ونشر بين البشر.
ولكن لاشك أن هذا إعلام وإنذار وتقييد للبشر بأن المتحكم الحقيقي في هذا الكون هو الله سبحانه وحده،وأما من ناحية أنه إنذار للبشر، فهو إنذار يشمل قويهم وضعيفهم،كبيرهم وصغيرهم، رجالهم ونسائهم، مؤمنهم وكافرهم، عادلهم وظالمهم، صالحهم وطالحهم،بأنه سبحانه الذي وهبهم التقدم قارد على أن يبدله بتأخر، والذي وهبهم العقول لتبتكر قادر أن يحيرهم جميعا حول فيروس حقير، وهذا ما نؤمن به نحن المسلمون،كما أن فيه تقييد لمن أطلق لنفسه العنان في ملك الله ظنا منه أنه بعيد عن قبضة خالقه.
وقد أثبت الله تعالى لخلقه من خلال هذا الفيروس القاتل عجز البشرية جمعاء أمام قدرة الله تعالى، خاصة الدول المتقدمة التي كانت تظن أنها قادرة بغير عجر، فقد أصابها وغيرها بكل العجز، مما أفضى بالألاف من سكانها إلى الموت،ناهيك عن باقي دول العالم،وهذا ما يصدقه الحديث القدسي الشريف، فقد ثبت في الصحيح عن أبي ذر الغفاري ـ رضي الله عنه ـ عن النبي (عليه الصلاة والسلام) أنه قال: يقول الله: يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا، يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني،يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي شيئًا إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرًا، فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) (أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، برقم 2577).
وإننا نحن المسلمون أمام قدر الله تعالى في منتهى التسليم، فنحن في رضا تام بما يفعله الله تعالى بنا، وما نحن إلا كريشه في هواء القدر يقلبها حيث يشاء، على الرغم من أنه قد شق على قلوبنا هجر بيوت الله تعالى خاصة في شهر رمضان المبارك، والذي كانت المساجد فيه تعج بعمارها، بين قائم وساجد، وبين جالس مسبّحٍ وتالٍ لكتاب الله تعالى، لا يقل العدد ليلاً ولا نهاراً، هذا المنظر الذي يأخذ بشغف القلوب، حُرمنا منه بسبب هذا الفيروس المعقد (كوفيد ـ 19) قهره الله، ولكن لله الأمر من قبل وبعد! فحينما كان الواحد منا يمر على الجوامع والمساجد طيلة الشهر وهي مظلمة، يشعر بحزن غريب، طيلة أعمارنا لم نكن نراها إلا عامرة، ولكن ربما في الأمر حكمة تخفى علينا، وظلت هذه الصورة تعاود طلتها في أعيننا حتى أقبل علينا العيد، هذا العيد الصامت بكل معنى الكلمة، فهو صامت في شكله، صامت في صلاته، صامت في وقته، صامت في وحدته، فما من تزاور فيه ولا زيارات، ولا خروج فيه ولا متنزهات، ولا حدائق فيه ولا رحلات، وقد لا يكون حلوى فيه ولا جديد ثياب، حقّاً إنه عيد صامت! لا ترى فيه بهجة كباقي إخوته ممن مرَّعلينا في العوام الماضية،ولكن هناك حل فنحن نستطيع أن نفعل ذلك كله دون الخروج من بيوتنا، إي نعم ، ولم لا؟!.
فأما عن الزيارات وصلة الأرحام فإن الله تعالى منَّ علينا بما نحن فيه من التقدم والرقي بوسائل يمكن من خلالها أن يرى بعضنا بعضاً ونحن في بيوتنا، فالحل سهل جداًبالاتصال عبر وسائل التواصل صوتاً وصورة، وهذا يفيبالغرض بل أكثر من ذلك، فهذا الاتصال يعكس مدى الشعور والاهتمام بينك وبين ذويك، كما إنه يعمق العلاقات والرابط ويقويها، فضلاً عن أنه يعزز روح العيد بين الطرفين، وهو في حد ذاته يحافظ على الجميع، وأما عن الخروج والرحلات فهذا ينقسم إلى قسمين، الأول(للأطفال): ولاشك أنهم يحبون الخروج في مثل هذه المناسبات، ليتمتعون بالألعاب في الحدائق والملاهي ، وهذا حله سهل جدا فما أكثر من القنوات التي تسليهم سواء عبر التلفاز أو عبر تطبيقات الهاتف خلال أيام العيد، حتى يشعروا بأنه عيد، وأن فيه فسحة ووسعة، وأما الثاني (للكبار): فلا ملل فيه لنا نحن الكبار في عدم الخروج إطلاقاً، فتبادل التهنئة بين الأهل والعشيرة والمحبين الأصدقاء والزملاء،سيشعرنا وكأننا ذهبا إليهم وجلسنا دون مشقة انتقال،وعلى الرغم من أنه سيأخذ وقتا إلا إننا يمكن لنا أن نشارك أبناءنا في ألعابهم وأنشطتهم ومجاراتهم فيما يقومون به، وفي هذا تسلية لهم ولنا، عوضا عن الخروج بالمرة ، بل إنه بهذه الطريقة أفضل من الخروج ألف مرة، كما أن هذا يشعر أبناءنا باهتمامنا بهم والتعاون معهم، وهذا في الأخير وقت جميل تقضيه الأسرة مع أطفالها ، الأمر الذي لو قارناه بالخروج للحدائق بين الزحام، مما يجعلنا وحرصا عليهم قد نزجرهم أو نعنفهم في بعض الأحيان ، حرصاً عليهم خاصة إذا تصرفوا بعشوائية وعدم تنظيم، وهذا لا شك لن يحدث إذا بقينا معهم داخل البيت ، ونحن نقتسم معهم فرحة العيد.
نسأل الله تعالى أن يجعله عيد خير على عماننا الغالية قيادة وشعبا بالصحة والعافية، والأمن والأمان، والسلم والسلام، والمحبة والوئام، والتقدم الازدهار، وأن يحفظ قائدنا بحفظه ويؤيده بتأييده ، وأن يرفع عن عمان وأهلها الوباء والغلاء وكل مكروه، وأن يعيد علينا العيد ونحن في كل أوقاتنا في فرح وعيد.
*ma.alsharif78@gmail.com

إلى الأعلى