الثلاثاء 14 يوليو 2020 م - ٢٢ ذي القعدة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / إنه طفلٌ يحب القصص!
إنه طفلٌ يحب القصص!

إنه طفلٌ يحب القصص!

زكية الشبيبية:
إنه طفل يحب القصص!،هذا ما توصلت إليه تلك الطفلة الصغيرة ابنة الثامنة وقد عقدتها الدهشة عندما رأت ذلك الفتى المتنمر الذي يجلس في أقصى غرفة الصف مندمجاً مع قصة المعلمة مأخوذًا بها تلك التي كانت تحكيها للجميع بصوت مسموع نابض بالإحساس، لقد كان ينصت لها بكل قلبه، كان يضحك كبقية الأطفال، كيف تغير فجأة؟ وهي التي لطالما كانت مرعوبة منه ولم يبد لها طفلا حقيقيا، لقد كان متنمرا أقرب إلى الوحش من كونه صبيا، هذا الإنطباع السيء الذي كان مغروسا في ذهنها كطفلة ناحيته تعاني في وقتها من التنمر والسلوك العدواني الذي يمارس عليها، إنها التجربة التي كانت تحكيها الكاتبة الأمريكية كيت ديكاميلو، مؤلفة “طريقة لويزيانا”وهي كاتبة في مجال الكتابة الخيالية للأطفال، عندما بدأت بها الحديث عن أهمية القصة في التأثير على سلوك الأطفال وواصلت لتقول بأن القراءة بصوت مرتفع لها قوة تستطيع أن تدخلنا في عالم ثالث هو بمثابة غرفة الأمان للقاريء والمستمع، تمنحنا النور وتجعلنا نرى بعضنا أكثر لذلك فالجميع بحاجة إلى هذه الغرفة الآمنة.
فمع تفاقم ظاهرة مثل التنمر والذي لايخفى على الجميع بأنه شكل من أشكال العنف والإيذاء وأفعال سلبية متعمدة من جانب طالب أو أكثر لإلحاق الضرر بطالب ما في الصف، حالة من العدوان يمكن أن يكون تأثيرها واسعا على المتنمر والطفل الضحية قد يصل به الأمر الى رفض الذهاب الى المدرسة او التخلي عنها، هذه الظاهرة أصبحت تشكل قلقا للمعلمين وأولياء الأمور ولم يتوصلوا بعد لإيجاد حلول فعالة لإخماد نارها، فهل يمكن للقراءة أن تكون حلا وعلاجا ناجعا لهذا الطفل المؤذي لكي تخف عنه حدة التنمر الذي يمارسه باستمرار في حق زملائه؟ولربما تكون للضحية أيضًا بمثابة طوق الأمان الذي سيقويه من الداخل ضد أي هجمة شرسة من عداء المتنمرين، نعم برأيي أن كثيرا من أولياء الأمور غفلوا عن أهمية القراءة للطفل خاصة في السنين الذهبية المبكرة، هي بمثابة الجرعة الدوائية المغذية من مجموعة من العناصر تتمثل في القيم والأخلاق والتوجيهات التي ستتكفل بتربية الطفل وتوجهه للمسار الصحيح، فلا ينشأ متخبطًا غير مدرك لما يفعله بانتظار العقاب والتوبيخ، الطفل المتنمر مهما بلغ من عدوانية مفرطة هو في الأصل طفل حساس ضعيف يتأثر فقط بالإهتمام والتوجيه الدائمين، وإني رأيت القصص أفضل مايمكن أن يحقق تاثيرا في سلوك الطفل خاصة عندما عندما تقرأ من قبل المربي بإحساس وحيوية وتفاعل، وقد لاحظت كمعلمة بأن الطلاب مهما أحدثوا من في الصف من سلوكيات حركية مفرطة أو فوضى عارمة فإنهم وبمجرد أن تقرأ لهم قصة يعم الصمت والهدوء والسكينة ويتحول أكثرهم عدوانية الى كائن وديع لطيف وقد انتقل جميعنا فجأةً إلى تلك الغرفة الآمنة التي تحدثت عنها كيت، بل إنه وبمجرد أن تنتهي القصة تجده يفرغ مافي جعبته ويتحدث بحماس كبير، إنه التأثير والسحر الذي تصنعه القصص المعجونة بالخيال والشخصيات الغريبة، فكتاب الطفل اليوم باتوا يتنافسون في صنع نصوص قصصية إبداعية موجهة للطفل بطريقة غير مباشرة، تلك التي تتكفل بها الشخصيات والأحداث بعكس النمط القديم السائد الذي يغلبه الأسلوب الوعظي المباشر، مع تنوع المواضيع واختلاف مضامينها، فذلك النص الذي سكبه الكاتب قد يكون عقدةً او موقفًا سيئا مر به جرب أن يكتبه على ألسنة الحيوان والطير ومختلف الشخوص والأشياء الخيالية حوله، إن أكثر القضايا التي تقض مضجع الطفولة اليوم وتشغل بال الآباء تمر كالشريط المصور أمام مرأى الكاتب، من مشاكل نفسية وعضوية وتربوية يلتقطها بإحساسه المفرط دون أن تفوته فيكتب بنهم شديد مادة جميلة هي بمثابة رسالة مفيدة لهذا الطفل، ولايسعني هنا أن أذكر أسماء أو أرشح بعضا من هذه القصص فهي كثيرة وغنية في المكاتب ومنافذ البيع الخاصه بها. وعودة للتنمر فقد لوحظ أيضا بأنه يقل في المناطق الريفية والقروية أكثر عنه في المدينة لأن طفل الريف لم يلوث بالمخاطر التي أحدثها التمدن كتوفر الخدمات وسهولة الوصول إليها سيما تلك الأشياء الممنوعة، تحيط بهم بيئة نقية يغلبها المحافظة على العادات والتقاليد التي نشأوا عليها منذ الصغر دون وجود خطر يهدد بقاءها،أيضا أفادت دراسة فنلندية حديثة أن الأطفال الذين يعيشون في الريف والقرى يتفوقون على أقرانهم الذين يعيشون في المدن والمجتمعات العمرانية الكثيفة في المهارات الحركية.وكشفت النتائج أن الكثافة السكنية مرتبطة بتراجع بمهارات الأطفال الحركية، ومدى مشاركتهم في اللعب في الهواء الطلق وممارسة الرياضة بانتظام، وربما هذا ما يفسر وجود العدوانية والخلل الذي يصاب به أبناء المدن دون غيرهم، فهم يقضون جل وقتهم في مشاهدة التلفاز أوالاعتكاف على الأجهزة اللوحية دون إطلاق الطاقة الحركية الكامنة في أجسامهم فيفرغونها بممارسة هذا السلوك العدواني.
وعودة الى موضوع تأثير القراءة على الطفل أود أن أشير إلى كتاب جميل بعنوان(تجربتي مع العلاج بالقراءة) تأليف هالة الأبلم وهي معالجة ومرشدة نفسية أخذت على عاتقها العلاج بالقراءة حيث تقول بأنها وجدت في العلاج بالقراءة سحرا علاجيا بما له من تأثير قوي في مختلف الأعمار والفئات حيث إن القراءة بحر واسع من المعرفة تناسب جميع الميول والأهواء، حيث كانت لها تجارب كثيرة في علاج حالات من مختلف الأمراض النفسية والاضطرابات السلوكية، وبالتطبيق والمتابعة سجلت الحالات مستويات عالية من الشفاء والتخلص من الضغوط والإضطرابات.
فالكتاب يمثل تجربة حياتية بدءاً بالجانب النظري إلى التطبيق العملي، فلماذا لا تحرص كل أم على معالجة أطفالها بالقراءة؟ ليس مهما أن تكون المادة دسمة فقط الإكتفاء بقصة واحدة في اليوم، فخير الأعمال أدومها وان قل، برأيي إن أولياء الأمور مسؤولون في تنشئة طفل مؤثر إيجابيا في بيئته وسط زملائه وهذا هو الحل الناجح الوحيد للتقليل من ظاهرة التنمر، سيما وأن الواقع المدرسي يشهد بذلك، وقد لمست الطلاب الذي يحظون باهتمام في الجانب المعرفي من أسرهم هم الأكثر تهذيبا وأدبا ووعيًا، أحد طلابي الذين نشأوا على القراءة منذ الصغر وبدأ يكتب القصص، كتب منشورا على الفيس بوك منذ فترة يقول فيه: “اطلع، إقرأ، تثقف، فقط هذا هو الشيء الوحيد الذي تستطيع فعله، وبعد ذلك ستجد ذلك الشيء الذي يستهويك” ، فأجبته في نفس المنشور بأن القراءة وحدها ستتكفل بكل شيء، نصيحة لجميع المربين امنحوا أطفالكم المتعة واقرأوا لهم القصص، سيدهشونكم ولن يعودوا أولئك الأطفال الذين يثيرون المتاعب.

إلى الأعلى