السبت 11 يوليو 2020 م - ١٩ ذي القعدة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / انتقال العمالة الأجنبية بين الشركات والمنافسة غير المشروعة
انتقال العمالة الأجنبية بين الشركات والمنافسة غير المشروعة

انتقال العمالة الأجنبية بين الشركات والمنافسة غير المشروعة

الدكتور/ علي بن خميس العلوي :
تطور الوضعان الاجتماعي والاقتصادي في سلطنة عمان في الفترة ما بين عامي 1995 و2020م، وقد تكون الفترة التي صدر فيها المرسوم السلطاني رقم 16/‏1995 الخاص بإصدار قانون إقامة الأجانب فترة شعرت فيها الدولة بضرورة إصدار تنظيم خاص بالأجانب الوافدين إلى عمان بعد تزايد أعدادهم وبعد أن رصدت الجهات المختصة بالدولة النتائج السلبية المترتبة على انتقال الوظائف إلى الأجانب وما يسببه مثل هذا الانتقال من أضرار لرجال الأعمال العمانيين.
وجميعنا يعلم بأن العالم قد أصبح فعلاً وبالحقيقة قرية واحدة إلا أن مثل هكذا شعارات تظل هلامية وغير واضحة المعالم خلوا من أي بعد نظر اقتصادي أو سياسي.
ونحن نقر هاهنا بتقديرنا للآخرين في مجهوداتهم المبذولة نحو البناء والتعمير والتطوير وسيظل هذا القدر من حاجتنا لوجود الوافدين مرتهناً بمقتضيات الظروف.
المادة (11) من قانون إقامة الأجانب الصادر بموجب المرسوم السلطاني أعلاه والتي تنص على أنه ”يحظر منح تأشيرة دخول للعامل الأجنبي الذي سبق له العمل في السلطنة وذلك لمدة سنتين من تاريخ آخر مغادرة” ولقد جاءت هذه المادة لمعالجة عدة أوضاع في ما يتعلق بالأجانب القادمين إلى عمان بغرض العمل، ولعل أبرز ما يلاحظ على هذه المادة هو سعيها لخلق نوع من الاستقرار والتوازن في العلاقة بين العاملين وأصحاب الأعمال على نحو يحقق مصلحة الطرفين، حيث إنه بمجرد منح الأجانب تأشيرات دخول السلطنة مرة أخرى فإن هذا يعني أننا قد فتحنا الباب على مصراعيه لتنشيط التجارة المستترة وتسريب المعلومات إلى مؤسسات أخرى قد يكون الأجانب مالكين لها تحت أي ستار إلى جانب زيادة عدد العاملين الأجانب في القطاع الخاص مما يضعف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي يديرها فعلاً العمانيون، الأمر الذي يسهم في إسقاط الجهود التي تبذلها الدولة في دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
ونود أن نلفت النظر في هذا الصدد إلى أن المناداة المستمرة بإلغاء المادة (11) لها ما لها من الآثار السلبية الجسيمة على مؤسسات الدولة بصفة عامة وتلك الصغيرة والمتوسطة بصفة خاصة وتحديدًا في ما يتعلق بالمنافسة غير المشروعة وبانتقال العاملين الأجانب من وظيفتهم إلى وظائف أخرى تنتقل معهم مقومات نجاح المؤسسات السابقة بما تشتمل عليه من معلومات وأسرار تجارية وهذه وتلك إنما تشكل سر نجاح العمل لدى المؤسسات بصفة عامة.
ولعل القارئ يدرك أن المنافسة غير المشروعة إنما تتجلى في صور عديدة ومنها التسبب بإيذاء أصحاب الأعمال بما ينطوي عليه ذلك الأذى من نشر بيانات كاذبة عنهم، أو انتهاك الاسم التجاري أو العلامة التجارية، أو نشر بيانات تجارية مغايرة للحقيقة بقصد انتزاع عملاء أصحاب الأعمال وأيضا سرقة قاعدة البيانات أو الأسرار التجارية بما في ذلك حقوق الملكية الفكرية أو النماذج الصناعية وبراءات الاختراع فضلاً عن سلب مقومات النجاح للشركات أو المؤسسات، وكما هو معروف فإن هذا النموذج يسري حتى على مستويات المنافسة بين الدول على شكل أو هيئة حروب اقتصادية تدور رحاها خفية.
ولعله أيضا من المتفق عليه أن المنافسة تعد أمراً ضرورياً لأي نشاط تجاري متى ما كانت هذه المنافسة في حدود المشروعية بحيث تكون منافسة ظاهرة للعيان بين أي مؤسستين ولا يكون سبب مثل هكذا منافسة انتقال أحد العاملين من الأولى إلى الثانية، لأنه متى ما انحرفت هذه المنافسة عن هذه الحدود تحولت إلى صراع كبير، الأمر الذي يترتب عليه إلحاق أضرار جمة لدى صاحب العمل الأول.
لو سلمنا جدلًا بوجاهة حتمية إلغاء المادة (11) من القانون المشار إليه أعلاه، فمن ذا الذي سيحمي عندئذ أصحاب الأعمال أو الكفلاء من المنافسة غير المشروعة الناتجة عن السماح للأجانب بالعمل لدى أصحاب أعمال أو كفلاء آخرين. ونود الإشارة في هذا الصدد إلى أن انتقال الأجانب من جهة عمل ما إلى غيرها إنما يعني يقيناً اطلاع العاملين الأجانب – في معظم المؤسسات على تنوعها- على الكثير من الأسرار الخاصة بالمؤسسات التي كانوا يعملون بها سلفاً قبل انتقالهم إلى مؤسساتهم الجديدة، الأمر الذي ينطوي في ما ينطوي عليه إنزال أضرار بالمؤسسات التي سبق وأن عملوا لديها، ومثل هكذا أمر هو بحق افتراض قائم حتى وإن بدا احتمالاً بعيد الحدوث.
وقد يقول قائل إن هنالك طرقا تمكّن أصحاب الأعمال من مساءلة العاملين لديهم عن أي منافسة أو إفشاء لأسرار العمل! ولمثل هؤلاء وأولئك نقول: نعم توجد طرق يمكن من خلالها إثبات الأضرار التي تلحق بأصحاب الأعمال جراء مثل هكذا منافسة، إلا أن الجهود التي يتعين بذلها لإثبات الأضرار جهود عضال مضنية، فضلاً عن أن طريقها بحق شائك فلماذا إذن نجلب على أنفسنا مثل هكذا مشاق، فضلاً عن أننا سنتجشم في هذا الوضع عناء اللجوء إلى طرق أخرى من أجل إثبات هذه الأضرار طالما أنه يوجد نص تشريعي عادل وصريح يدرأ المخاطر عن أصحاب الأعمال، إذ إن درهم وقاية خير من قنطار علاج.
وأخيرًا وليس آخرا، فعلى حين أن مسألة إلغاء المادة المشار إليها أعلاه تبدو عادلة في ظاهرها عندما نتحدث عنها، إلا أنه بالنزول إلى أرض الواقع فهي في حقيقتها إنما تشكل خطراً جسيماً داهماً على المؤسسات بصفة عامة وتلك الصغيرة والمتوسطة بصفة خاصة إذا ما تُركَ الأمر دون أطر واضحة المعالم، ولعل المطلعين على ما نُشر في موقع غرفة تجارة وصناعة عمان من الأضرار المحدقة بالقطاع الخاص في حال تم ـ لا قدر الله ـ إلغاء المادة(11) من قانون إقامة الأجانب يستطيعون أن يروا مثل تلك الأضرار الجسيمة التي من شأنها أن تلحق بالاقتصاد الوطني للسلطنة.
وحتى لا نقلل من شأن كلمة عامل لدى بعض القراء فإن كلمة عامل هذه تعني في مطلقها بمعرض هذا المقال كل موظف يؤدي وظيفته أياً ما كان مسماها ابتداء من وظيفة صانع أو فني أو بائع وانتهاء بوظيفة رئيس تنفيذي لدى شركة ما.
ويحدونا أمل وطيد في أن متخذي القرار سيتوخون عدالة ناجزة بما يكفل معها عدم التفريط في الحقوق التي تسبغ مكتسبات قيمة على التشريعات العمانية.
✱ محام ومستشار قانوني

إلى الأعلى