الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / قراءة في موازنة الدفاع الأميركية للعام 2014م

قراءة في موازنة الدفاع الأميركية للعام 2014م

”استمرار فكرة خفض ميزانية الدفاع بشكل سنوي رغم بقائه فوق سقف النصف تريليون دولار أميركي سيؤثر كثيرا في خطط واستراتيجيات وزارة الدفاع الأميركية للسنوات المقبلة بوجه خاص وبتوجهات الولايات المتحدة الاميركية العالمية بوجه عام وهو ما أقر به العديد من المسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية وذلك عقب إصدار البيت الأبيض الميزانية المقترحة لعام 2014م.”
ــــــــــــ
في شهر يونيو من العام 2009م كتبنا مقالنا الأخير والموسوم بـ “تحديات العقيدة العسكرية الأميركية 2001- 2010م ” حول رؤيتنا التحليلية للتغيرات والتحولات السنوية في ميزانية الدفاع الأميركية، وقد ورد باختصار في مقالنا سالف الذكر الرؤية التالية: ان الولايات المتحدة الأميركية ما زالت تدور في دائرة تضيق عليها كل عام من الخوف والتراجع الجيوسياسي والانهيار الاقتصادي، والمبالغ الخرافية التي تنفقها سنويا على تسليح منظومتها العسكرية، والتي لا تستطيع ان تخفضها بالرغم من الضغوطات الاقتصادية وارتفاع ميزان المديونية السنوية مثال على ذلك.
وذلك دليل واضح على جل تلك التحديات العسكرية منها والسياسية التي ما زالت تواجهها وخصوصا تلك التي تدخل في صلب بقائها الجيوسياسي العابر للقارات، ومما لا يبشر بخير بالنسبة لها، هو الصعوبة التي تصل إلى مرحلة الاستحالة من وجهة نظرنا في تقليص ميزانيتها للتسلح دون رقم 500 مليار دولار، أي نصف تريليون دولار أميركي خلال السنوات العشر القادمة حتى العام 2020م، والذي بدأ بتجاوز هذا الرقم منذ ميزانية العام 2008م، ما سيرفع من سقف التحديات والصعوبات المحيطة بها بشكل خطير جدا.
وبالرغم من خروج الولايات المتحدة الاميركية من أزمة الموازنة والمديونية التي أصابت الدولة الفدرالية بالشلل طيلة نصف شهر تقريبا في العام 2013م والتي كادت تتسبب بسحق الاقتصاد الاميركي ودخوله مرحلة الإفلاس رغم ما تمتلكه من أصول اقتصادية ضخمة، وذلك بعد عجزها عن سداد المديونيات، إلا أنه وبحسب رأي الكثير من الخبراء الذين حللوا الأزمة، فقد أكدوا أن ذلك لم يكن سوى حقنة تخدير مؤقتة قد مددت الأزمة ولم تعالج جذوها، وانه سرعان ما ستعود الأزمة بالظهور في نفس الوقت من كل عام، بمعنى آخر ان المعالجة كانت موضعية وقد تم نقل حلها إلى المستقبل بدلا من إنهائها تماما.
وبتوقيع الرئيس الأميركي باراك أوباما يوم الجمعة الموافق الـ 17/1/2014م ميزانية العام المالي 2014م والتي بلغت أرقامها 1100 مليار دولار تقريبا، منها بحسب ما اقره الكونجرس الأميركي، ميزانية وزارة الدفاع البنتاجون للعام 2014م والتي تبلغ قيمتها 632.8 مليار دولار، بفارق بسيط جدا عن ميزانية العام 2013م والبالغة 633 مليارا، أي ما يزيد على الـ50% من إجمالي الميزانية السنوية الاميركية، فقد انتهت الأزمة مؤقتا وتم إقرار الميزانية العامة للدولة وميزانية التسلح والدفاع بوجه خاص.
ورغم ان ميزانية البنتاغون لم تواجه اقتطاعا كبيرا في العام 2014م كما هو في العام 2013م والذي بلغ ما يقارب الـ 37 مليار دولار، إلا أنها ورغم ذلك فإنها ستواجه خلال المرحلة الزمنية المقبلة العديد من التحديات والعوائق الأمنية والعسكرية خصوصا مع استمرار تخفيض الميزانية رغم استمرارها فوق سقف النصف تريليون دولار أميركي سنويًّا وهو ما سيؤثر على جاهزية الجيش الأميركي بوجه عام، ما دفع البنتاجون إلى الإسراع نتيجة ذلك إلى وضع سياسة جديدة للدفاع للسنوات الأربع المقبلة تحددها الأولويات، ومنها ضرورة التخفيف من البيروقراطية الضخمة في البنتاغون، والحفاظ على الاستثمارات في الميادين التي تعتبر أساسية لبقاء الهيمنة العسكرية الأميركية كالفضاء والأمن الإلكتروني والقوات الخاصة وكذلك وسائل المراقبة والاستخبارات.
المهم في الأمر ان ابرز ما يمكن ان نستنتجه مما تطرقنا إليه سابقا حول ميزانية الدفاع الاميركية التي تم إقرارها للعام 2014م النقاط التالية:
استمرار صعوبة تخفيض سقف ميزانية الدفاع والتسلح الاميركية دون سقف النصف تريليون دولار أميركي سنويًّا، وهو أمر نتوقع استمراره حتى العام 2020م على اقل تقدير، ما يفاقم العجز والمديونية الاميركية بشكل خطير جدا، وهو اتجاه لا شك سيؤدي مع استمراره إلى انهيار الاقتصاد الاميركي، وبمعنى آخر، المتوقع ان يظل ميزان التسلح الأميركي في ارتفاع مستمر، وذلك حتى ساعة الانهيار الجيوسياسي الكبير لها، والذي يتوقع أن يشهده العالم خلال العقد القادم، وهو عقد تراجع الهيمنة الأميركية الجيوسياسية والجيواستراتيجية، وانسلال المركزية القطبية العالمية من بين أصابعها، لحساب نظام التعددية القطبية الفضفاضة.
ان التحدي الذي برز في العام 2013م حول أزمة الميزانية الولايات المتحدة الاميركية للعام 2014م وعدم معالجتها بطريقة جذرية والوصول إلى تفاهمات نهائية يؤكد استمرارها خلال السنوات المقبلة، ما سيضع موازنة الدفاع الاميركية في حالة من التهديد المستمر في ظل توسع دائرة الصراع الجيوسياسي العالمي وتراجع القوة الأميركية العابرة للقارات، وبالتالي المحافظة على مصالح الولايات المتحدة الاميركية بوجه عام ومصالح حلفائها وثقة الدول التي استدانت منها خلال المرحلة القادمة.
سيشجع هذا الارتفاع في المديونية السنوية ودخول الولايات المتحدة الاميركية في أزمات اقتصادية بشكل مستمر وتأثير كل ذلك على موازنة التسلح والدفاع الأميركية من مختلف النواحي دول وقوى دولية أخرى على مواجهتها والتمرد على قراراتها وتضييق الخناق عليها كما هو الحال مع روسيا والصين على سبيل المثال لا الحصر.
استمرار فكرة خفض ميزانية الدفاع بشكل سنوي رغم بقائه فوق سقف النصف تريليون دولار أميركي سيؤثر كثيرا في خطط واستراتيجيات وزارة الدفاع الأميركية للسنوات المقبلة بوجه خاص وبتوجهات الولايات المتحدة الاميركية العالمية بوجه عام وهو ما أقر به العديد من المسؤولين في وزارة الدفاع الاميركية وذلك عقب إصدار البيت الأبيض الميزانية المقترحة لعام 2014م.
فعلى سبيل المثال سيؤدي ذلك بحسب العديد من المسؤولين في وزارة الدفاع الاميركية إلى تخفيض حجم التدريبات، وإيقاف 12 من أسراب الطيران المقاتلة، واستبعاد عشرات الآلاف من الموظفين المدنيين، في وقت سيتم فيه تكثيف الاستثمارات بشكل أساسي في مجالين فقط، هما القيادة الأميركية في مجال الفضاء الإلكتروني، وتوسيع نطاق الوجود الأميركي في المحيط الهادئ، وبحلول عام 2020 سيتم حشد 60 % من القوات البحرية الأميركية في منطقة المحيط الهادئ، وهناك قائمة طويلة من التخفيضات وهي جارية بالفعل في بعض الحالات بسبب التخفيضات التي شهدها العام الجاري، ومنها إلغاء تدريبات قتالية ووقف أسراب طيران، وتقليص عدد ساعات الطيران لطياري البحرية، وتأجيل عمليات بحرية، وإنهاء نظام التعقب الدقيق بالأقمار الاصطناعية ، إلى جانب أمور أخرى.
وباختصار فقد وصلت الولايات المتحدة الاميركية منذ نصف عقد تقريبا وتحديدا في العام 2008م الى نقطة اللا عودة بخصوص ميزانية تسلحها التي تجاوزت وما زالت فوق النصف تريليون دولار سنويًّا حتى ميزانية العام 2014م، ما سيتطلب خلال الأعوام القادمة رؤية جديدة توازن ما بين هذه المبالغ الخرافية التي لا تستطيع التراجع عنها وارتفاع سقف المديونية والتضخم وتراجع اقتصادها بشكل مستمر، وسط هذا التوسع الهائل وغير المسبوق من التحديات والعوائق التي ما زالت تحيط بها وتهدد مصالحها الاستراتيجية ومكانتها الجيوسياسية العالمية ـ وبمعنى آخر- نحن نشهد المرحلة التاريخية التي سيتفكك عندها النظام الاميركي فيما يسمى “بما بعد الإمبراطورية”، والذي نعتقد أنه سيبدأ مع دخول العالم إلى العقد الثالث من القرن الـ 21.

إلى الأعلى