الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / “السياسة الشرعية وفقه المشترك الإنساني” (4 ـ 4)
“السياسة الشرعية وفقه المشترك الإنساني” (4 ـ 4)

“السياسة الشرعية وفقه المشترك الإنساني” (4 ـ 4)

قراءة في ندوة :”الفقه الاسلامي .. المشترك الانساني والمصالح ”

ـ السياسة الشرعية بمعناها الخاص تشتمل على ما هو من العقوبات وما هو من غيرها

ـ مرت في التاريخ الإسلامي لحظات ظلم وتجاوزات شرعية، كما مرت أيضا لحظات عدل واستمساك بالشرع

ـ فصل الخطاب في الموضوع تأصيلا وتفريعا، وتنظيرا وتطبيقا هو أحد أوامره العامة المطلقة وهو “العدل والقسط” الذي قامت به السماوات والأرض

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
بمباركة سامية من لدن حضرة صاحب الجــلالة السلطان قـابـوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ أقيمت خلال الفترة من 6 الى 9 جمادى الثانية 1435هـ الموافق 6 الى 9 ابريل 2014م ندوة تطور العلوم الفقهية والتي جاءت بعنوان:”الفقه الاسلامي .. المشترك الانساني والمصالح” وهي النسخة الثالثة عشرة من الندوات التي تنظمها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في هذا الجانب المهم .. حيث شارك في الندوة علماء ومفكرون وباحثون من داخل السلطنة وخارجها .. وتناولت اوراق عمل وبحوثا هامة.

وضمن تلك البحوث والاوراق المقدمة .. ورقة عمل بعنوان: “السياسة الشرعية وفقه المشترك الإنساني” للدكتور إدريس الفاسي الفهري أستاذ التعليم العالي بكلية الشريعة بفاس جامعة القرويين بالمملكة المغربية ..
عزيزي القارئ الكريم: نختتم معك اليوم في هذه الحلقة بحثنا القيم حول “السياسة الشرعية وفقه المشترك الإنساني” .. حيث يقول الباحث حول تقارب كلام المتقدمين في تعريف وتأصيل السياسة الشرعية بمعناها الخاص: وقد أتى ابن القيم بالمناظرة التي ذكرناها في تقديم هذه الورقة واستمد منها تعريف السياسة الشرعية بمعناها الخاص، والتعريف الذي أتى به لا يبعد عن التعريف المنقول عن ابن عابدين، ونصه كما ذكر من قبل:”السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ولا نزل به وحي”. ولكنه بهذه الصيغة قاصر عن بعض المعنى المقصود ولابد فيه من اعتبار الزيادة التي زادها ابن عقيل في بقية كلامه وهو “شرط عدم مخالفة ما نطق به الشرع”.
مضيفاً بقوله: وقد توقف ابن القيم عند هذا الشرط مليا، فبين أن الذين خالفوا في السياسة الشرعية إنما عطلوها “ظنا منهم منافاتها لقواعد الشرع، ولعمر الله إنها لم تناف ما جاء به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وإن نافت ما فهموه من شريعته باجتهادهم”، وزاد ذلك بيانا فقال:”.. فإن الله سبحانه أرسل رسله، وأنزل كتبه، ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسماوات.فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه، والله سبحانه أعلم وأحكم، وأعدل أن يخص طرق العدل وأماراته وأعلامه بشئ، ثم ينفي ما هو أظهر منها وأقوى دلالة، وأبين أمارة فلا يجعله منها، ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها، بل قد بين سبحانه، بما شرعه من الطرق، أن مقصوده إقامة العدل بين عباده، وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين، وليست مخالفة له، فلا يقال: إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع، بل هي موافقة لما جاء به، بل هي جزء من أجزائه، ونحن نسميها سياسة تبعا لمصطلحهم، وإنما هي عدل الله ورسوله، ظهر بهذه الأمارات والعلامات”، مشيرا إلى أن ما يقرره ابن القيم هنا من الاحتجاج على الموضوع قد أوردناه عن ابن عابدين بصيغة مختصرة تأصيلية وهو أن هذه الأحكام وإن كانت لا ترجع إلى المنصوص عن الشارع فهي ترجع إلى كليات الشرع، وقواعده العامة.
وحول ما يحدده متولي السياسة الشرعية بمعناها الخاص العرف والاصطلاح والتنصيص قال الباحث: ويبقى علينا مع هذا التفصيل في التعريف والتأصيل أن نتوقف عند موضوع متعلق بالسياسة الشرعية بمعناها الأخص أي المتعلق بالعقوبات من بين التصرفات الداخلة في المعنى الخاص للسياسة الشرعية، وهو ما يتعلق بمتوليها هل هو الإمام باتفاق أو يمكن أن يتولاها غيره .. فمن الفقهاء من لا يخول الحكم بالعقوبات الراجعة إلى السياسة الشرعية إلا للإمام، شأنها شأن السياسة بمعناها العام، ومنهم من يرى أن للقاضي كذلك أن يحكم بأمثالها.
وقال: وقد حرر ابن فرحون أحد الأنواع الداخلة فيما مستنده السياسة الشرعية، وهو ما يتعلق بالدعاوى المتعلقة بالتهم والعدوان، ونقل عن ابن القيم تحريره لمذاهب الفقهاء في ضرب المتهم وحبسه بدلالة القرائن، وأقره على ما نسبه للمالكية في الموضوع.
مبيناً بقوله: وأضاف إلى ما أورده تأصيلا هاما، استشهد فيه بما حرره ابن القيم نفسه في موضوع الولايات، فقال: “واعلم أن الولايات تختلف بحسب العرف والاصطلاح، كما تقدم في كلام ابن قيم الجوزية أن عموم الولايات وخصوصها ليس له حد في الشرع، وأن ولاية القضاء في بعض البلاد وبعض الأوقات تتناول ولاية والي الحرب وبالعكس، وذلك بحسب العرف والاصطلاح والتنصيص في الولايات. وكلام ابن سهل وابن حبيب وغيرهما من أصحابنا مبني على عرف بلاد الأندلس في ولاية القضاء، فإن كانت ولاية القضاء في قطر آخر تمنع من تعاطي هذه السياسات نصا أو عرفا، فليس للقاضي تعاطي ذلك، وإلا فله أن يفعل ذلك؛ لأنه دعوى شرعية حكمها الاختبار بالحبس والضرب، فيسوغ له الحكم فيها كغيرها من الحكومات”، وانطلاقا من القاعدة الشرعية المقررة في الموضوع أن “عموم الولايات وخصوصها ليس له حد في الشرع”.
* مراجعات في تأصيل السياسة الشرعية بمعناها الخاص
وأوضح الباحث حول ذلك بقوله: وقد ميّز الدكتور يوسف القرضاوي من المعاصرين بين معنيين للسياسة عند “علمائنا القدامى”: أحدهما: المعنى العام، وهو تدبير أمور الناس وشؤون دنياهم بشرائع الدين، ولهذا نجدهم يعرفون (الخلافة) بأنها: نيابة عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في حراسة الدين، وسياسة الدنيا، والثاني: المعنى الخاص، وهو ما يراه الإمام أو يصدره من الأحكام والقرارات، زجرا عن فساد واقع، أو وقاية من فساد متوقع، أو علاجا لوضع خاص.
والملاحظة الأولى والأهم بالنسبة لهذا التمييز عند الدكتور القرضاوي هو: أنه لم يستصحبه في بقية الكتاب بل لم يستحضره أصلا في شئ من تفصيل الكلام عن السياسة الشرعية.وكأنني به إنما أتى به من أجل إثبات المعرفة به فقط، والملاحظة الثانية هي: أن التعريف يتعلق بالسياسة الشرعية بمعناها الأخص أي العقوبات غير المنصوصة التي قيل فيها “شرع مغلظ” وذلك لأنه نص في تعريفه على أنها تكون “زجرا”، وتكون “وقاية” وهما المعنيان المتعلقان بالعقوبات فهي التي تعتبر زواجراً، وتعتبر جوابراً أي وقاية. وأما السياسة الشرعية بمعناها الخاص فتشتمل على ما هو من العقوبات وما هو من غيرها، كما رأيناه قبل قليل، والملاحظة الثالثة: أنه جعل السياسة بمعناها الخاص من تصرفات “الإمام”، شأنها في ذلك شأن السياسة بمعناها العام، وقد بينا ما في ذلك عند العلماء. حيث ذكرنا في النقطة السابقة مباشرة أن الأمر في تصرفات السياسة بمعناها الخاص قد يكون من الإمام أو من يوكل إليه أمرها من القضاة، أو ولاة الحرب. وبينا الأصل الذي يرجع إليه في هذا الشأن من خلال تأصيل ابن فرحون للموضوع، بما يغني عن إعادته، والملاحظة الرابعة” أنه اقتنص من كلام ابن القيم عبارة قام بتعميمها على نحو لم يقصده ابن القيم، ثم أضاف إليها ما لم يقله ابن القيم، وختم بذلك هذه الفقرة المتعلقة بـ”السياسة في اصطلاح علمائنا القدماء”، كأنها خلاصة للفقرة، وتوجيه مستفاد منها، مع أن كلام ابن القيم المستشهد به عنده جاء احتجاجا على خلاف ما احتج به ابن القيم عليه.
وقال: ونص كلامه في الموضوع كما يلي: “ووجدنا العلامة ابن القيم يذكر أن الحكام في عصره وقبل عصره، استحدثوا (قوانين سياسية) بآرائهم وأهوائهم بمعزل عن الشرع لما ضيق عليهم الفقهاء بجمودهم وتقليدهم وتعصبهم، فتركوا الشرع لأهله، وساروا هم في طريقهم، دون أن يستفتوا الشرع ويرجعوا إليه، وهذا من خطر الجمود الذي نبه عليه وحذر منه العلماء المحققون المخلصون، ومنهم الإمام ابن القيم”، وأما نص كلام ابن القيم فهو كما يلي:”.. وهذا موضع مزلة أقدام، ومضلة أفهام، وهو مقام ضنك، ومعترك صعب: فرط فيه طائفة، فعطلوا الحدود، وضيعوا الحقوق، وجرؤوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، محتاجة إلى غيرها، وسدوا على نفوسهم طرقا صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له، وعطلوها، مع علمهم وعلم غيرهم قطعا أنها حق مطابق للواقع، ظنا منهم منافاتها لقواعد الشرع، ولعمر الله إنها لم تناف ما جاء به الرسول (صلى الله عليه وسلم) وإن نافت ما فهموه من شريعته باجتهادهم، والذي أوجب لهم ذلك: نوع تقصير في معرفة الشريعة، وتقصير في معرفة الواقع، وتنزيل أحدهما على الآخر فلما رأى ولاة الأمور ذلك، وأن الناس لا يستقيم لهم أمرهم إلا بأمر وراء ما فهمه هؤلاء من الشريعة، أحدثوا من أوضاع سياساتهم شرا طويلا، وفسادا عريضا فتفاقم الأمر، وتعذر استدراكه، وعز على العالمين بحقائق الشرع تخليص النفوس من ذلك، واستنقاذها من تلك المهالك.
وأفرطت طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة، فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله، وكلتا الطائفتين أتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله، وأنزل به كتابه”.
مبيناً بقوله: وليلاحظ أولاً أن ما نسب الدكتور القرضاوي إلى الحكام في عصر ابن القيم وقبل عصره ليس على عمومه. والعموم الذي عبر به ابن القيم عن الطائفة الأولى المقصرة يقابله العموم في عبارته عن الطائفة الثانية المفرطة ـ بالتخفيف من الإفراط ـ ولا يمكن بحال أن يقصد بكل واحد من الحكمين كل واحدة من الطائفتين، وهذا ما يسمى بالعموم الذي يراد به الخصوص. ولم يغفل الدكتور القرضاوي عن هذا، ولذلك جعل الكلام عن طائفة واحدة جمع لها أوصاف الطائفتين، وليلاحظ ثانياً أن ابن القيم يحتج على كثير من أقواله في السياسة الشرعية بما صدر عن الفقهاء من جميع المذاهب بل حتى المذهب الشافعي المخالف له في هذا الموضوع بالتحديد قد وجد له ابن القيم أقوالا في الحكم بالقرائن فسرها بأنها هي الأحكام المقصودة بالسياسة الشرعية في اصطلاحه، وبين أن الخلاف مع الشافعية في الموضوع خلاف اصطلاحي.
منوهاً هنا بقوله: ومن هاتين الملاحظتين نستشعر أن المعالم العامة للسلوكات التشريعية للحكام في عصر ابن القيم وقبل عصر ابن القيم التي يرسمها الدكتور القرضاوي تقطع صلتهم بالشرع وتنزع عنهم كل احترام له، يقول عنهم “تركوا الشرع لأهله، وساروا هم في طريقهم، دون أن يستفتوا الشرع ويرجعوا إليه”، وأنهم “استحدثوا قوانين سياسية بآرائهم وأهوائهم بمعزل عن الشرع”، ولا ينقص من كلامه إلا جلب مقدمة ثانية منصوصة معروفة مشهورة؛ ليصدر في حقهم حكما صريحا بأنهم هم الكافرون، الظالمون، الفاسقون!، ونحن لا نشك أنه قد مرت في التاريخ الإسلامي لحظات ظلم وتجاوزات شرعية، ولا نشك أيضا أنه قد مرت أيضا لحظات عدل واستمساك بالشرع.
وقال: وعلى هذا الأساس نجد أن عموم العلماء الذين تعرضوا للموضوع وعلى رأسهم ابن القيم يقسمون السياسة بهذا المعنى الخاص إلى نوعين: ظالمة وعادلة.. حيث قال ابن القيم:”.. فإن السياسة نوعان: سياسة ظالمة فالشريعة تحرمها، وسياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر، فهي من الشريعة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها”، وقال ابن فرحون:”والسياسة نوعان: سياسة ظالمة فالشرع يحرمها، وسياسة عادلة تخرج الحق من الظالم وتدفع كثيرا من المظالم، وتردع أهل الفساد ويتوصل بها إلى المقاصد الشرعية، فالشريعة توجب المصير إليها والاعتماد في إظهار الحق عليها”.
وفي ختام بحثه قال: ويستنتج من ذلك بكل وضوح أن الفارق في الموضوع، وفصل الخطاب فيه تأصيلا وتفريعا، وتنظيرا وتطبيقا، هو واحد من أكبر كليات الشرع، وأحد أوامره العامة المطلقة، المؤكدة غاية التأكيد، وهو العدل والقسط الذي قامت به السماوات والأرض. قال ابن القيم: “فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه”، والعدل في نفس الوقت ميزان كوني يشترك العقلاء الأسوياء جميعا في معرفته والقبول به، بحيث لا يخفى على أحد من العقلاء فرق ما بين الظلم والعدل وأمارات كل منهما، ولا يسخط أحد من الأسوياء أن ينزل عند مقتضى العدل، ولا ينكره على أهله.وهو المقصود الذي سنت الشرائع كلها من أجل الوصول إليه.

إلى الأعلى