الثلاثاء 14 يوليو 2020 م - ٢٢ ذي القعدة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث / كورونا: الكرة في ملعبك يا ابن آدم

في الحدث / كورونا: الكرة في ملعبك يا ابن آدم

طارق أشقر

في ظل الانتشار المرعب لجائحة مرض “كوفيد 19″ الذي يسببه فيروس كورونا التاجي، وما نتج عنه من إصابات تعدت الستة ملايين حالة إصابة، ووفيات فاقت الثلاثمائة ألف ومئتين حالة وفاة حتى لحظة كتابة هذه المداخلة، وجد الإنسان نفسه طرفا في أغرب فنتازيا تجسدت في مباراة خيالية بين طرفين أحدهما يعيش الواقع ككائن ملموس متكامل الأحاسيس ويتمثل في الإنسان، بينما يتمثل الطرف الثاني في كائن غير منظور بالعين المجردة، لكنه محسوس الأثر، قوي الشكيمة، مخيف لما له من قدرة على الهجوم المباغت .. ألا وهو فيروس كورونا اللاعب المميت الذي ما زال يصول ويجول في مختلف ميادين حياة الإنسان طولا وعرضا.
تتلخص فنتازيا النزال في مباراة الإنسان مع كورونا بأن الأخير رغم أنه عند التعاطي معه بالحواس التي يمكنها أن تفيد المتحسس لما حوله بأن هناك كائنا ملموسا قد لا يمكن التعرف عليه، غير أن نتاجات تعاطي تلك الحواس كحاسة الشم واللمس والتذوق مع هذا الكائن المجهول تؤكد عمليا بأنه الأقوى رغم وصف العلماء له بالضعيف وبغير الحي، فهو حتما بهذه الكينونة والغموض في التوصيف المكاني له تمكن من أن يكون دائم الاستعداد لتسديد هجماته القوية ضد الإنسان، وذلك في ملعب حدوده “الحياة” بكل ما تحمل الكلمة من معنى وجمهور البشر لاعبين ومتفرجين، وقوانين التحكيم فيه قاسية لا بطاقة صفراء فيها، بل جميعها بطاقات حمراء الطرد فيها نهائيا وإلى الأبد خارج نطاق الملعب أي”الحياة”.
تستمر فنتازيا مباراة الإنسان مع كورونا على مستوى العالم، في حين أن الملعب تتناقص حدوده من الأطراف يوما بعد يوم، حيث ظل الإنسان يتفقد قدرته في مواصلة تلك المباراة غير المتكافئة هو وكافة أفراد مجتمعه البشري بمختلف أنحاء العالم، في حين أن الطرف الآخر يواصل هجومه في الميدان، فتتساقط البشرية مرضى وموتى، فمنهم من سقط مريضا، ومنهم من لقي حتفه، ومنهم من ينتظر النهايات، فإما منتصرا ظافرا بتمكنه من اكتشاف مصل مأمون أو علاج ناجع قليل الآثار الجانبية، أو منتصرا بأن يكتب الله له النجاة من أي إصابة يتسبب فيها أسلوب اللعب الخشن لكورونا اللئيم.
ولكن وكيفما كانت فنتازيا مباراة كورونا مع الإنسان، ومهما طالت مدتها، وفي نفس السياق الخيالي المتحرر من قيود المنطق، والمستند إلى إطلاق العنان للخيال الواسع، فإن كورونا “الضعيف” حجما، “القوي” أثرا وتأثيرا وخبثا ولؤما، ينبري ويخاطب الإنسان: “الكرة الآن في ملعبك يا ابن آدم”.
وبالعودة إلى جغرافية المكان، وإلى الواقع الذي نعيشه بكل واقعيته التي لا ترحم وبعيدا عن فنتازيا المتخيل الأدبي، أو عن أي جنس آخر من أجناس الأدب، يتبين لنا حقا وكما لقننا كورونا الدرس بأن الكرة ما زالت في ملعبنا نحن البشر.
حقا ما زال بإمكاننا تسديد ضربات أقوى ضد كورونا، بل بإمكاننا التغلب عليه وتسديد أهداف النصر في مرماه، ليس فقط لأن بيننا عقولا بشرية ما زالت تبذل قصارى جهدها للتوصل إلى لقاح ودواء بغض النظر عن من هم، وما الفرق بيننا وبينهم من حيث القدرات الذهنية أو الاستعداد العلمي والقدرة على ترتيب الأولويات.
الكرة في ملعبنا لأنه بيننا جيوش بيضاء الملبس وذات قلوب مليئة بالرحمة وحريصة على أن تؤثر على حياتها من أجل حياة الآخرين في المستشفيات والعيادات وغيرها، بل لأننا كأفراد مجتمع ما زال بإمكاننا الالتزام بمتطلبات التباعد الاجتماعي ومكافحة النقل المجتمعي لهذا المرض اللعين الذي لا مناص لنا من أن نتعايش معه بحذر حتى تمضي الحياة دون توقف، ولكن بروية وحرص على مراعاة ما يجب اتباعه من إرشادات تضمن صحة وسلامة المجتمع… والله المستعان.

إلى الأعلى