الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / ضرائب الكلام

ضرائب الكلام

عادل سعد

أن تكون هناك رسوم مالية على الإسراف في الكلام، وبالأخص الكلام السياسي وما تنتجه مطابخ وسائل الإعلام يوميًّا فإننا قد نجد ما يضمن تطبيقًا ناجحًا لمقولة (خير الكلام ما قل ودل)، وحين تكون هناك ضرائب على الادعاءات والزعم والمبالغات الخالية من مضمون حقيقي، فإننا قد نصون حواسنا من التأثيرات الخطيرة للكذب والاستقطاب الخادع القائم على نفوذ الألسنة فحسب.
لقد دفعني إلى هذا الاستنتاج خبر تصدر بعض نشرات الأخبار الاقتصادية في الأيام القليلة الماضية مفاده أن السلطة القضائية في كوريا الجنوبية غرمت شركتين كوريتين لصناعة السيارات مبلغ (350) مليون دولار أميركي عقوبة لهما على ادعاء غير صحيح أن السيارات التي تصنعها هاتان الشركتان تتمتع بخاصية الاقتصاد في استهلاك الوقود، إضافة إلى مواصفات متميزة لا تتوفر في السيارات الأخرى.
لا شك في أن الشركتين كانتا تهدفان إلى اصطياد أكبر عدد من المعجبين بالسيارات التي يصنعانها من أجل رفع مبيعاتها في الأسواق العالمية للسيارات تزدحم بالعروض مثلما تزدحم تلك الأسواق بالملابس والإكسسوارات والأحذية النسائية تطبيقًا معروفًا للمثل العالمي القائل (إن فستان وحذاء جديدين قادران على تعديل مزاج أية امرأة).
وإزاء تلك الرسوم والضرائب باحتمال تطبيقها عراقيًّا، وبقدر ما يتعلق الأمر بمزاج معظم الكتل المؤثرة في الحدث، فإنني على يقين تام أن أغلب السياسيين العراقيين سيعيدون النظر بما واظبوا عليه في الازدحام أمام شاشات القنوات الفضائية أو من خلال أثير الإذاعات يرفعون ويمجدون ويدينون ويشجبون، وينخرطون في معمعة كلامية يومية عسيرة الهضم على المتلقي العراقي، وعندما تشتد الانتقادات على ما صرحوا به يلجأون إلى في ما تطرقوا إليه ضمن تصرفات إنكار ساذجة مفادها أن هناك تحريفًا لأحاديثهم، أو أنهم يلجأون إلى تفسير ما قالوا على هواهم، مع العلم أن (آفة الرأي الهوى) أو يغضون النظر واللسان لفترة معينة لكي يتهربوا من ردود الفعل على تصريحاتهم ويختفوا من الشاشات حتى تهدأ العاصفة ثم يعودوا إلى ممارسة التسلل باتجاه وسائل الإعلام مجددًا، على غرار بعض المحللين السياسيين الذين يتقاضون مكافآت مالية مقابل تصريحات معينة على أحداث جارية تستطيع أن تجدهم بالقرب من مكاتب الفضائيات جاهزين بالصوت والصورة للإدلاء بالآراء التي تريدها هذه الفضائية أو تلك، وفي انحياز معروف لهذا الطرف السياسي أو ذاك على حساب ما تتضمنه الحقيقة من معلومات.
إن واحدة من أخطر المواقف التي تتسبب بتشويش الرأي العام العراقي والسعي إلى تدجينه تكمن في سيل التصريحات التي لا تنقطع من سياسيين لا يجيدون سوى الامتثال لأهداف تقوم على عصيان الحقيقة، إذ يتلاعبون بالألفاظ وإقامة الحد على أعدائهم، الوضع الذي انعكس وينعكس في حصول الكثير من الضياعات داخل المشاهد السياسية والاقتصادية، بل ويمكن القول أيضًا إن هذا النوع من الإسراف في الكلام قد أدى ويؤدي إلى خسارات جسيمة على صعيد المحاولات الجارية من أجل الالتزام بالوحدة الوطنية.
وحري بالتنويه هنا أن هذا المنهج يقف وراء عدد الإشكاليات التي ما زالت تضرب المشهد العراقي وفي مقدمتها إشكالية الاستغراق في المواقف الهامشية على حساب قضايا أساسية ينبغي أن تكون الآن على الطاولة لاتخاذ القرارات الحاسمة بشأنها، ولعل من المناسب أن نشير إلى أن العراق بحاجة إلى قانون يعاقب من يدعي ويزعم ما ليس له على غرار القانون ساري المفعول الخاص بمعاقبة مرتكبي جرائم الكيد والافتراء على الآخرين.
إن الوضع العراقي العام من النواحي السياسية والأمنية هو بحاجة إلى مواقف جوهرية تضع بالاعتبار أهمية أعادة تشكيل المشهد السياسي على أسس تعطي الأسبقية لمعالجة القضايا السلبية الكبيرة التي ما زالت تنهش به، وهكذا أيضًا فإن البحث عن منصات للنزاهة يتطلب في كل الأحوال والمناسبات توجهات بعيدة عن الارتصاف الطائفي والمناطقي، ففي هذا مقاضاة حقيقية للتزوير والادعاءات الباطلة، بل أن يصاحب ذلك تموضع أخلاقي للنزاهة يستند إلى فحوى الآية الكريمة (والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما).

إلى الأعلى