الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / في الجانب الخفي من الحرب على “داعش”!

في الجانب الخفي من الحرب على “داعش”!

جواد البشيتي

ثلاث مهمات (أو ثلاثة أهداف) لـ”الفوضى الخلاَّقة”، أو للقوى التي تقودها عن بُعْد، هي: “الهدم (والتقويض)” لقوى الدولة، والسلطة المركزية، فإشاعة ونشر الفوضى مع ما يصاحبها من اقتتال وحروب أهلية، ومن تفكيك للصلات القديمة بين المُكوِّنات العرقية والدينية والطائفية والمذهبية، ثمَّ إعادة التركيب بما يُنْتِج وِحْدَة جديدة، يخالطها كثيرٌ من “الانفصال المُنَظَّم (المُقَوَّم)”؛ لقد اسْتُبْدِلَت “البيئة (الاجتماعية والتاريخية) الطبيعية”، بـ”البيئة الاصطناعية”، وحُرِّر الصِّراع بين القوى العرقية والدينية والطائفية والمذهبية من قيوده، وتُرِكَ لقانون “البقاء للأصلح” حرية الفعل والتَّصَرُّف؛ فأُعيد شرقنا العربي (الإسلامي) إلى ما كان عليه (أو جُبِلَ عليه) من تَعايُشٍ وصراعٍ قبل أنْ يتحكَّم فيه الغرب، تَعَايُشًا وصراعًا.
وفي رُبْع السَّاعة الأخير، ظَهَرَت “الدَّاعشية”؛ ومُكِّنَ لـ”داعش” في الأَرْضَيْن، أرض العراق وأرض الشام؛ وكان هذا التنظيم كمثل “حصان طروادة”، مع أنَّه يَضْرِب جذوره عميقًا في بعضٍ من واقعنا التاريخي؛ ومَثَّل في عمله التاريخي “المارينز” الإيجابي؛ فـ”المارينز” السلبي كان آلة الهدم والتقويض، والتي بها أُسِّسَ (في العراق) لكلِّ صراعٍ عرقي وديني وطائفي ومذهبي؛ فإنَّ “داعش” الآن، وبما يمثِّله من مخاطِر تُحْدِق وتَعْصِف بكل أولئك المتصارعين بالحديد والنار، هو “المارينز” المُوَحِّد، المُجَمِّع، المُكَتِّل؛ لكن بما يعود بالنفع والفائدة، أوَّلًا، على سيِّد اللعبة، لعبة “الفوضى الخلاَّقة”؛ فلقد تَقَادَم عهد البناء البريطاني والفرنسي، وحان للقوَّة العظمى في العالَم (الولايات المتحدة) أنْ تَهْدِم قَبْلَ، ومن أجل، أنْ تعيد البناء.
“داعش (العراقي)”، وبدءًا من 15 حزيران/يونيو الماضي، تأسَّد على المُقْتَتِلين المُحْتَرِبين جميعًا؛ وكان ينبغي له أنْ يقيم الدليل على أنْ لا الجيش النظامي، ولا غيره من قوى محلية، أو إقليمية، في مقدوره الوقوف في وجهه، فيَلْتَمِع نَجْم “المُنْقِذ (المُخَلِّص) العالمي”، وهو الولايات المتحدة، التي سارَعَت إلى “تلبية النداء”، مُدشِّنَةً حربها الجوية على “داعش” في آب/أغسطس الماضي.
والآن، حيث أَسَّست لتحالف دولي، تتولَّى قيادته، ووسَّعَت نطاق غاراتها الجوية ليشمل أراضي سورية يسيطر عليها “داعش”، أحاطتنا الولايات المتحدة عِلْمًا بـ”مبادئ ثلاثة” تَحْكُم حربها على “داعش”، والتي يكمن فيها هدف “إعادة البناء”.
المبدأ الأوَّل هو أنَّ الغارات الجوية، والتي لها حصة الأسد منها، وعلى أهميتها، لن تحسم الحرب، أيْ لن تقضي على “داعش” قضاءً مُبْرَمًا؛ لكنَّ الولايات المتحدة لن تخوض بنفسها حربًا بريًّا؛ فتجربة حَرْبَيْها البرِّيِتَيْن في أفغانستان والعراق لن تكون لها أهمية تُذْكَر إذا لم تَخْرُج منها (وقد خَرَجَت) بهذا الدَّرْس. إنَّ الحرب على “داعش” تُكْسَب بغارة جوية على موقع، فيَتَقَدَّم مقاتِلون (أرضيون) نحو هذا الموقع، فيضطر مقاتلو “داعش” المُخْتبئون إلى الخروج، فيتعرَّضون إلى غارة جوية أخرى، فيُبادون، فيستولي المهاجمون على الموقع.
المبدأ الثاني هو أنْ لا مناص من الزَّج بقوى على الأرض في المعارك؛ ولا بدَّ، من ثمَّ، من تدريب وإعداد وتجهيز وتسليح قوى نظامية عراقية، وقوى “معتدلة” من “المعارَضَة السورية”؛ وإلى أنْ تُنْجَز هذه المهمة، التي سيستغرق إنجازها بعض الوقت، تستمر الغارات الجوية، ومعارك الكر والفر. ورُبَّما تشتد الحاجة إلى “قوَّة برية دولية وإقليمية مشترَكَة”. ولقد شرعت إدارة الرئيس أوباما تهيِّئ الشعب لاحتمال أنْ تضطر إلى تَدَخُّل عسكري أرضي من نوعٍ ما، وفي حجم ما؛ فإنَّ شيئًا من التَّدَخُّل العسكري البري للولايات المتحدة قد يغدو أمْرًا ضروريًّا، لا مَفَرَّ منه.
والمبدأ الثالث هو أنْ لا انتصار نهائيًّا، ولا قضاء، على “داعش” إلاَّ من طريق “حل سياسي” للمنازعات بين القوى المحلية (في العراق وسوريا) التي تتبادَل و”داعش” العداء؛ فالحرب وحدها، ولو تزاوَجَت فيها الغارات الجوية والمعارك البرية، لا تكفي لإلحاق الهزيمة بهذا التنظيم. والعمل بهذا المبدأ الثالث (والأخير) يعني أنْ تؤسِّس الولايات المتحدة لمرحلة انتقالية في العراق وسوريا تُعِدُّ فيها، وتُهيِّئ، قوى تَثِقُ بها، وبأهليتها لإعادة تركيب النُّظُم بما يُكْسِب القوَّة العظمى في العالَم نفوذًا قويًّا بعيد الأمد في البلدين؛ فتنظيم “داعش”، الذي ظهر إلى الوجود، وفي هذه الفاعلية، في نهاية حقبة التفكيك، مع ما تخلَّلها من اقتتال رَفَع منسوب الكراهية والعداء بين مُكوِّنات المجتمع، هو “الآلة” التي بها يُعاد التركيب وُفْق المصالح والأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة.

إلى الأعلى