الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مصر .. ومأزق الانتخابات البرلمانية!!

مصر .. ومأزق الانتخابات البرلمانية!!

سامي حامد

أخيرا حسم الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الجدل حول موعد إجراء الانتخابات البرلمانية عندما أعلن أن الاستحقاق الثالث والأخير لخارطة الطريق التي ارتضاها الشعب المصري بعد ثورة الـ30 من يونيو وسقوط حكم الإخوان والمتمثل في الانتخابات البرلمانية سيتم إنجازه قبل المؤتمر الاقتصادي الدولي الذي ستستضيفه مصر منتصف مارس المقبل .. وقد جاء إعلان السيسي عن موعد الانتخابات البرلمانية بمثابة إسكات لكل الأصوات التي كانت تشكك في عدم قدرة الدولة على إجراء هذه الانتخابات، خاصة وأن البرلمان القادم يتمتع بصلاحيات واسعة لم تحظَ بها البرلمانات السابقة، فضلا عن أن هذه الانتخابات ستجرى لثاني مرة دون وجود حزب حاكم يشارك فيها مثلما جرت العادة منذ بدء تجربة تعدد الأحزاب في مصر التي جرت في منتصف السبعينيات من القرن الماضي!
أبرز ما في الانتخابات البرلمانية المقبلة التي من المتوقع إجراؤها في أوائل مارس المقبل حسب تصريحات السيسي أنها ستجري في ظل غياب أحزاب قوية قادرة على انتزاع أغلبية مقاعد البرلمان، مثلما كان الوضع أيام الحزب الوطني، ما يعني أن البرلمان القادم ربما لا يكون ظهيرا سياسيا وتشريعيا لرئيس الدولة، ما يعني وقوع السلطتين التنفيذية والتشريعية في خلافات مستمرة ستعيق بالتأكيد جهود الدولة في عملية التنمية والبناء .. يأتي ذلك في الوقت الذي أعلنت فيه الدولة أنها تقف على مسافة واحدة من كافة القوى السياسية والحزبية المتواجدة على الساحة في الوقت الذي تسعى فيه الأحزاب لتشكيل تحالفات فيما بينها مثلما حدث مؤخرا مع اندماج تحالف الوفد المصري والجبهة المصرية بمباركة من عمرو موسى الأمين السابق لجامعة الدول العربية وهما يشكلان معا 13 حزبا “الجبهة المصرية 7 أحزاب” و”الوفد المصري 6 أحزاب”!
من المعروف أنه يوجد في مصر 84 حزبا أغلبها غير معروف في الأوساط الشعبية، وليس لها وجود حقيقي داخل المجتمع المصري. ولقد أثبتت الأحداث في الآونة الأخيرة بعد الـ25 من يناير والـ30 من يونيو أن واحدة من مشكلات مصر الكبرى هي عدم وجود قوى سياسية قادرة على التعبير عن الشعب المصري بشكل حقيقي وقوي تستطيع من خلاله تشكيل أغلبية داخل البرلمان.
وباعتبار البرلمان هو الممثل الشرعي للشعب فإننا نقف أمام هذا الاستحقاق بما يستحق من اهتمام, نتساءل بجدية: هل القوى السياسية الموجودة فعلا في مصر قادرة على خوض معركة انتخابية حقيقية من شأنها أن تفرز مجلسا للنواب يمثل هذا الشعب تمثيلا صحيحا وينقل إلى قاعات البرلمان آلام وآمال هذا الشعب، ويمارس واجباته التشريعية والرقابية بأمانة وكفاءة كفيلة بإخراج مصر من دائرة الأزمة تقريبا في شتى المجالات وعلى كافة الأصعدة والمستويات، فضلا عن وضعها على الطريق الصحيح نحو التقدم والرفاهية؟
الواقع المشاهد والملموس يقول إن بمصر أربعة تيارات سياسية هي: تيار الإسلام السياسي بتنويعاته المختلفة, والتيار القومي والتيار اليساري والتيار الليبرالي، ومع أن هذه التيارات طبقا للمتعارف عليه عالميا يمكن تصنيفها بين اليمين واليسار والوسط وما بينها فإن واقع هذه التيارات بمصر يجعل عملية التصنيف هذه نظرية ومجازية أكثر منها عملية وواقعية، فالملامح الخاصة والتمايزات الفارقة بينها غير واضحة من ناحية كما أنها منقسمة على نفسها من ناحية أخرى وليس لها وجود في الشارع بشكل يسمح لها بتمثيل برلماني مؤثر من ناحية ثالثة.
ورغم أنه يوجد في مصر 84 حزبا سياسيا بعضها قديم وبعضها حديث إلا أنها جميعها باستثناء القليل جدا منها تعد أحزابا (كرتونية) فعلا؛ إذ إنها لا تعدو أن تكون مقرا وجريدة وزعيما وعدة أعضاء, كما أن مواقف هذه الأحزاب من قانوني مباشرة الحقوق السياسية وانتخابات مجلس النواب والتصريحات التي تصدر عن قادتها معلنة التخوف من سيطرة الإسلاميين ورجال الأعمال وبقايا الحزب الوطني على البرلمان الجديد تعد اعترافا بالأمر الواقع من قبل الغالبية العظمى من هذه الاحزاب التي لا جماهير مؤثرة لها في الشارع المصري.
وإذا كانت هذه الأحزاب تسعى الآن لتحالفات بعضها يجمع بين متناقضات كثيرة تحت تصور أن ذلك قد يكون وسيلة مناسبة للتغطية على ضعفها وقلة جماهيرها فإن ذلك بلا شك يعتبر استمرارا لعملية دفن الرؤوس في الرمال، وخاصة أن هذه الوسيلة قد تم تجربتها أكثر من مرة وكشفت عن مهازل وكوارث وعكست في النهاية الوضع الحقيقي لهذه الأحزاب، حيث يتصدر التحالف ويسيطر عليه الحزب الأقوى، بينما تلعب بقية الأحزاب دور الكومبارس غالبا.
إن وجود قوى سياسية حقيقية بأسرع وقت ممكن ليس مسألة رفاهية، وإنما ضرورة أمن قومي، بل ضرورة وجودية يرتبط وجود الوطن الآمن والدولة الراشدة والشعب المنتج بها ارتباطا عضويا, نعم هناك أسباب موضوعية يسأل عنها النظام السابق والأسبق، ولكن المؤكد أن هناك أسبابا ذاتية أيضا لا بد من مراجعتها بشفافية وجدية إذا كانت هذا الأحزاب راغبة، فضلا عن كونها قادرة على الاستمرار والتأثير فإذا كان النظام الأسبق, وبدرجة أو أخرى السابق, قد عمد إلى محاصرة القوى السياسية وضرب أحزابها من الداخل فكيف نفسر تمدد وقوة تيار (الإسلام السياسي) الذي عايش نفس الظروف حتى أنه كان ولا يزال يعد البديل الموضوعي للحزب الحاكم أيامها, الوطني أو الحرية والعدالة, وهو ما يسبب المخاوف الحقيقية لهذه الأحزاب حتى الآن إلى درجة أن بعض الأحزاب الليبرالية والقومية، فضلا عن اليسارية سعت وتسعى ولو من وراء ستار للتحالف معه حفاظا على مجرد التواجد ولو كان هامشيا!!

إلى الأعلى