السبت 11 يوليو 2020 م - ١٩ ذي القعدة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / أولاد الأنبياء والرسل في كتاب الله(20)

أولاد الأنبياء والرسل في كتاب الله(20)

نتابع بقية ما نشر قبل عيد الفطر المبارك ..
.. وَأمَّا قَول يُوسُف لأخوته:(إنّكُمْ لسارقون) وهم لم يسرقوا الصواع، بل هُوَ الَّذِي كَانَ قد أدخلهُ فِي وعَاء أَخِيه دونهم، فقد صدق يوسف ـ عَلَيْهِ السَّلَام ـ لأَنهم سَرقُوهُ من أَبِيه وباعوه، وَلم يقل ـ عَلَيْهِ السَّلَام ـ أَنكُمْ سرقتم الصواع وَإِنَّمَا قَالَ:(نفقد صواع الْملك) وَهُوَ فِي ذَلِك صَادِق، لِأَنَّهُ كَانَ غير وَاجِد لَهُ، فَكَانَ فَاقِد لَهُ بِلَا شكّ،(الفصل في الملل والأهواء والنحل 4/ 7). وعليه فيوسف لم يكد لهم إلا خيراً.
(قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ) (يوسف ـ ٨٩)، قوله تعالى:(قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه..) استفهام بمعنى التذكير والتوبيخ،(إذ أنتم جاهلون) دليل على أنهم كانوا صغاراً في وقت أخذهم ليوسف، غير أنبياء، لأنه لا يوصف بالجهل إلا من كانت هذه صفته، ويدل على أنه حسنت حالهم الآن، أي: فعلتم ذلك إذ أنتم صغار جهال، قال معناه ابن عباس والحسن، ويكون قولهم:(وإن كنا لخاطئين) على هذا، لأنهم كبروا ولم يخبروا أباهم بما فعلوا حياء وخوفاًمنه، وقيل:(جاهلون) بما تؤول إليه العاقبة .. والله أعلم (تفسير القرطبي 9/ 255)، وفيهِ إخْبَارٌ أَنَّهُمْ كَانُوا جَاهِلِينَ عِنْدَ وُقُوعِ الْفِعْلِ مِنْهُمْ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا جَاهِلِينَ فِي هَذَا الْوَقْتِ، فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَسْتَدِلُّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ قَبْلَ الْبُلُوغِ لِأَنَّهُمْ لَوْ فَعَلُوهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُمْ تَوْبَةٌ لَكَانُوا جَاهِلِينَ فِي الْحَالِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ جَهَالَةَ الصِّبَا لَا جَهَالَةَ الْمَعَاصِي، وَقَوْلُ يُوسُفَ:(لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ فَعَلُوهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ ذَنْبًا مِنْهُمْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الِاسْتِغْفَارُ مِنْهُ وَظَاهِرُ الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ تَابُوا بِقَوْلِهِمْ:(لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ)، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ:(يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ) وَلَا يَقُولُ مِثْلُهُ مَنْ فَعَلَ شَيْئًا فِي حَالِ الصِّغَرِ قَبْلَ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِ الْقَلَمُ .. (أحكام القرآن للجصاص، ط: العلمية 3/ 230)،وهنا سؤال يطرح على عقولنا نفسه، ألا وهو: إذا كان هذا كله قد حدث منهم، سواء أكانوا لا يعلمون أم كانوا على علم، هل تاب الله عليهم وجعلهم أنبياء؟ والجواب: اختلف العلماء في نبوة أولاد يعقوب، بين من يسند لهم النبوة وبين من يخلها عنهم، وهناك جدل حول كونهم أنبياء أم لا؟ فقد اختلف في ذلك أهل العلم فيه، وفيه كلام واسع بين النفي والإثبات، ومن أبرز من نفى عنهم ابن حزم الأندلسي، حيث يقول: كان فعل أخوة يُوسُف وبيعهم أَخَاهُم وكذبهم لأبيهم ..أَن أخوة يُوسُف ـ عَلَيْهِ السَّلَام ـ لم يَكُونُوا أَنْبيَاء، وَلَا جَاءَ قطّ فِي أَنهم أَنْبيَاء نَص لَا من قُرْآن، وَلَا من سنة صَحِيحَة، وَلَا من إِجْمَاع، وَلَا من قَول أحد من الصَّحَابَة ـ رَضِي الله عَنْهُم، وَأمَّا يُوسُف ـ عليه السلام ـ فَرَسُول الله بِنَصّ الْقُرْآن، قَالَ الله عز وَجل:(وَلَقَد جَاءَكُم يُوسُف من قبل بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زلتم فِي شكّ مِمَّا جَاءَكُم بِهِ حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رَسُولاً ..) الآية، وَأما أخوته فأفعالهم تشهد أَنهم لم يَكُونُوا متورعين عَن العظائم، فَكيف أَن يَكُونُوا أَنْبيَاء،وَلَكِن الرسولين أباهم ـ يعقوب ـ وأخاهم ـ يوسف ـ قد استغفرا لَهُم، وأسقطا التثريب عَنْهُم، وبرهان مَا ذكرنَا من كذب من يزْعم أَنهم كَانُوا أَنْبيَاء قَول الله تَعَالَى حاكياً عَن الرَّسُول ـ يوسف ـأخيهم ـ عَلَيْهِ السَّلَام ـ أَنه قَالَ لَهُم:(أَنْتُم شَرٌّ مَكَاناً) وَلَا يجوز الْبَتَّةَ أَن يَقُوله نَبِي من الْأَنْبِيَاء، نعم، وَلَا لقوم صالحين، إِذْ توقير الْأَنْبِيَاء فرض على جَمِيع النَّاس، لِأَن الصَّالِحين لَيْسُوا شرّاًمَكَاناً، وَلَا يحل لمُسلم أَن يدْخل فِي الْأَنْبِيَاء من لم يَأْتِ نَص وَلَا إِجْمَاع أَو نقل كَافَّة بِصِحَّة نبوته، وَلَا فرق بَين التَّصْدِيق بنبوة من لَيْسَ نَبياً وَبَين التَّكْذِيب بنبوة من صحت نبوته مِنْهُم، فَإِن ذكرُوا فِي ذَلِك ما روي عَن بعض الصَّحَابَة ـ رَضِي الله عَنْهُم ـ وَهُوَ زيد بن أَرقم لما مات إِبْرَاهِيم بن رَسُول الله (صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) لِأَنَّهُ لَا نَبِي بعد رَسُول الله (صلى الله عَلَيْهِ وَسلم)، وَأَوْلَاد الْأَنْبِيَاء أَنْبيَاء فَهَذِهِ غَفلَة شَدِيدَة، وزلة عَالم من وُجُوه، أَولهَا: أَنه دَعْوَى لَا دَلِيل على صِحَّتهَا، وَثَانِيها: أَنه لَو كَانَ مَا ذكر لأمكن أَن ينبأ إِبْرَاهِيم ـ ابن رسول الله ـ فِي المهد ، كَمَا نُبّئ عِيسَى ـ عَلَيْهِ السَّلَام ـ وكما أوتي يحيى الحكم صَبياً، فعلى هَذَا القَوْل لَعَلَّ إِبْرَاهِيم ـ ابن رسول الله ـ كَانَ نبياً وقد عَاشَ عَاميْنِ غير شَهْرَيْن، وحاشا لله من هَذَا، وَثَالِثهَا: لَو كَانَ ذَلِك لوَجَبَ، ولابد أَن تكون الْيَهُود كلهم أَنْبيَاء إِلَى الْيَوْم،بل جَمِيع أهل الأَرْض أَنْبيَاء، لِأَنَّهُ يلْزم أَن يكون الْكل من ولد آدم لصلبه أنبياء، لأن أباهم نَبِي وأولاده أَنْبيَاء أَيْضاً، لِأَن آبَاءَهُم أَنْبيَاء وهم أَوْلَاد أَنْبيَاء وَهَكَذَا أبداً، حَتَّى يبلغ الْأَمر إِلَيْنَا، وَفِي هَذَا من الْكفْر لمن قَامَت عَلَيْهِ الْحجَّة وَثَبت عَلَيْهِ مَالا خَفَاء بِهِ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق، كذا في (الفصل في الملل والأهواء والنحل 4/ 7)، ويقول ابن كثير: واعلم أنه لم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف، وظاهر هذا السياق يدل على خلاف ذلك، ومن الناس من يزعم أنهم أوحي إليهم بعد ذلك، وفي هذا نظر، ويحتاج مدعي ذلك إلى دليل، ولم يذكروا سوى قوله تعالى:(قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط..)(البقرة ـ 136)، وهذا فيه احتمال لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم:(الأسباط)، كما يقال للعرب (قبائل)وللعجم (شعوب)، يذكر تعالى أنه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل، فذكرهم إجمالاً لأنهم كثيرون، ولكن كل سبط من نسل رجل من إخوة يوسف، ولم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم، والله أعلم، انظر (تفسير ابن كثير4/ 372)، وممن يثبتها لهم صاحب كتاب:(تنزيه الأنبياء عما نسب إليهم حثالة الأغبياء، ص: 142)، فَإِن قَالَ قَائِل: فَمَا معنى دُخُولهمْ فِي الْعدَد مَعَ الْأَنْبِيَاء وَلَيْسوا بِأَنْبِيَاء، وَالْجَوَاب: أَن الْقُرْآن مَقْصُود بالإيجاز الَّذِي هُوَ مخ البلاغة وَكَانَت النُّبُوَّة تترى فِي بني إِسْرَائِيل،وَكَانَ أثلهم من أَوْلَاد يَعْقُوب وَهُوَ إِسْرَائِيل، فَلَمَّا عدد الله تَعَالَى من كَانَ قبل من الْأَنْبِيَاء على التَّفْصِيل أوجز فَقَالَ:(والأسباط) يَعْنِي: أَنْبيَاء الأسباط على حذف الْمُضَاف وَإِقَامَة الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه ثمَّ خصص بعد ذَلِك عظماءهم بِالذكر، ويقول الفخر الرازي: واعلم أنا لما فسرنا هذه الآية بالنبوة لزم الحكم بأن أولاد يعقوب كلهم كانوا أنبياء، وذلك لأنه قال: (ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب)، وهذا يقتضي حصول تمام النعمة لآل يعقوب، فلما كان المراد من إتمام النعمة هو النبوة، لزم حصولها لآل يعقوب ترك العمل به في حق من عدا أبنائه، فوجب أن لا يبقى معمولاً به في حق أولاده، فإن قيل: كيف يجوز أن يكونوا أنبياء وقد أقدموا على ما أقدموا عليه في حق يوسف ـ عليه السلام؟، قلنا: ذاك وقع قبل النبوة، وعندنا العصمة إنما تعتبر في وقت النبوة لا قبلها، فالله تعالى مقدس عن السفه والعبث، لا يضع النبوة إلا في نفس قدسية وجوهرة مشرقة علوية.. (تفسير الرازي: مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير 18/ 421)،وذكر الشوكاني: أن الله سبحانه أعطاهم النبوة كما قاله جماعة من المفسرين، ولا يبعد أن يكون إشارة إلى ما حصل لهم بعد دخولهم مصر من النعم التي من جملتها كون الملك فيهم مع كونهم أنبياء كما أتمها على أبويك أي إتماما مثل إتمامها على أبويك وهي نعمة النبوة عليهما (انظر: فتح القدير للشوكاني 3/ 8)، وفي هذا السياق: تجيء قصة يوسف مع إخوته في مشهدها الأخير فرغم ظلمهم له وعدوانهم عليه، وتفريقهم بينه وبين أبيه وأخيه ورميهم له في الجُبِّ إلا أنه ـ عليه السلام ـ كان على الغاية من سمو الخطاب، ودقة الكلمات، والتواضع الذي قبل معه اعتذار إخوانه، بل دعاهم وأهلهم للمجيء لمصر، والإقامة فيه.انظر (صور الإعلام الإسلامي في القرآن الكريمـ دراسة في التفسير الموضوعي ـ ص: 204).

إلى الأعلى