الأحد 12 يوليو 2020 م - ٢٠ ذي القعدة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مدى صفات النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)

مدى صفات النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)

علي بن سالم الرواحي:
خيّر الله تعالى نبيه محمداً (صلى الله عليه وسلم) في أن يكون عبداً أو يكون ميتاً وذلك في حال بعثته وكذا في موته حتى عرض الله عليه أن يطيل عمره ويكون ملكاً وفي كلا الحالين لم يرد الملك وأراد أن يكون عبداً لله وحده حتى اختصه سبحانه بها وبكمالها عن غيره لفرقها ما بين الطرفين.
والملاحظ هنا أن الهيبة التي على الأنبياء الملوك والحكام لم يصل شأوها كشأو الهيبة المحمدية والمكانة العالية بين الصحابة، حتى أمره سبحانه وتعالى بعدم نسيانه للدنيا بل بأخذ الكفاف منها.
لقد عرضت قريش في الفترة المكية بالزعامة السياسية في أن يكون عليهم ملكاً، ويعطونه من الأموال الباهظة حتى يصبح أغنى الأغنياء ويزوجونه بأحلى نسائهم ويعالجونه إن كان مريضاً مقابل أن يترك الدعوة فقال الرسول مخاطباً عمه أبا طالب:(والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أُهلك دونه)، فهل قرار أرضي من النبي أم إنها الرسالة من الله سبحانه وتعالى الثقيلة وهو على قدرْها في التحمل والصبر.
دخل عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فرآه نائماً على حصير قد أثر على جسمه فبكى عمر وقال كسرى وقيصر على عروشهما وأنت خير الخلق هذا حالك، فأجابه الرسول: أما ترضى لهم الدنيا ولنا الآخرة.
هذا هو حال محمد الذي رُمِي بالأطماع السياسية وبحبه الشهواني للنساء وبالإرهاب بشتى صنوفه.
أما عن رسائله إلى ملوك الأرض هو من باب نشر دعوته وهي وظيفة أسندها الله إليه، حتى يجعلهم على الخط المستقيم الذي إن سلوكه وصّلهم إلى الجنة بإذن الله سبحانه، فأقر من أقر ورفض من خاف ذهاب ملكه أو انقلاب شعبه عليه.
مدى رحمة محمد
لقد سبقت رحمة الله على العباد عضبه ونقمته وإلا كان الجميع مرميّاً إلى نار جهنم والعياذ بالله، وهاك معنى حديث وفيه (لا أحد يدخل الجنة إلا برحمته, قالوا: حتى أنت يا رسول الله؟ قال: حتى أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته).
إن سر رحمة النبي هو نبوته فمن سأل لماذا هو رحيم حتى لا يضاهى؟ قلنا: لأنه نبي حليم رؤوف.
كان النبي (صلىالله عليه وسلم ) نائماً تحت شجرة معلقاً سيفه عليها، فإذا برجل كافر استغل الوضع فأخذ السيف وسله يريد قتل النبي، فقال: من ينقذك مني؟ قال: الله، فإذا بالسيف يسقط والنبي يأخذه فقال: من ينقذك مني؟، قال: كن خير الرجلين، فرحمه وعفا عنه.
لم يسجل لنا التاريخ ولا الوحي أن نبياً أو رسلاً ألين من النبي محمد وكان ذلك رحمة من الله لهذه الأمة الإسلامية, هذه الرحمة كان سراً في قبول الإسلام, لأن النفوس طُبِعَت على قبول الأسلوب اللين لا أسلوب الفظاظة.
هذه الرحمة واللين جعلته أكثر الناس تأثيراً على غيره، ولو استقصتّا عدد أتباعه لرأيناه لا يكون له مثيلاً، مع أن أتباعه من أدنى الناس وضعاً وأضعفهم شأناً، ومن رحمته عفا عن الطلقاء في فتح مكة رغم ما آذوه وأصحابه من أشد الأذى، فهل يكون ذلك لغير محمد؟ وهل يكون محمد إلا نبياً مرسلاً؟.
كان عندما يحاور يسمع من محدثه كل شيء حتى ينتهي ثم يبدأ هو بالكلام عارضاً حججه الدعوية والقرآنية, ولو كان ملكاً لقطع عنقه, جاء أحد الأعراب إليه مستغربا لوجود بعد الكلمات التي في القرآن وظنها غير عربية مع أن القرآن عربي مبين، وهي:(يستهزءون، كبّاراً، قسورة ..) فجاء إلى النبي يستسفر عنها فأسمع النبي والنبي يضحك وهكذا وثالثاً والنبي يضحك وهو ينظر إلى وجهه، فغضب الإعرابي وقال أتهزأ بي وأنت من قسورة العرب ما أراك إلا كبار) بدون وعيه، فلما أدرك ذلك على وعرف أنها كلمات عربية دخل الإسلام عن رضا.
ومن سر نجاح الدولة الإسلامية في انتشارها أن النبي قد آتاه الله جوامع الكلم التي من السهل على الصحابة والناس جميعاً حفظها وفهمها والعمل والعلم بها, وكان يكررها أحياناً ثلاثاً بكلمات منفصلة مثل الجواهر المنظومة في سلك، يتكلم وتعد كلماته, يتكلم بوضوح بحيث لا تداخل بينها.
* مدى صبر محمد
تصور لو كنت بمفردك وجاء واحد وقال لك ستموت حالاً، ثم الثاني والثالث .. والعاشر والعشرون .. والمائة والخمسمائة .. والألف والألفين، كيف ستكون نفسيتك ستنهار حالاً حتماً.
هذا ما فعل اليهود في النبي (صلى الله عليه وسلم) حيث كان يجيئون بيته تباعاً يقولون له السأم أي الموت عليكم فيقول وعليكم لكن ذلك لم يحد من تتابع اليهود عليه وهو مفرده وربما ترد عائشة بقليل من الكلمات، فيقول لها: ألا ترين ردي عليهم فلا تجعلي لهم حجة علينا أما رب العالمين، لكن نفسية محمد لا شيء يضاهيها بل يزداد عقلاً وحلماً ويقيناً ورحمة بالناس، هل هذه الصفة في غير محمد أو في نبي؟ لقد غادر اليهود المدينة الجزيرة إلى غير عودة بسبب أفعالهم العوجاء التي سلطت عليهم محمداً؟ ومحمد بقى في المدينة إلى قيام الساعة؟.
إن محمداً لا يهتم من أحد يسبه أو يعاديه شخصياً، لكن ممن يخالف الله سبحانه.
ومن شواهد النبوة وبعد فترة طويلة قضاها النبي في دعوة قومه إلى الإسلام فكذبوه حتى لم يكن هناك أمل في استجابتهم له وظن ذلك النبي أن الله ربما لم يحقق وعده لهم، فإذا الغوث آت بآيات ومعجزات وتلك آثار الذين ظلموا باقية مشاهد حتى عصرنا الحالي لتكون عبرة للمعتبرين، وكذلك آثار الكفار الذين آذوا الله ورسوله بعضها لم تزل موجودة وحتى الآن، لتكون نبوته (عليه الصلاة والسلام) صادقة يحكيها الناس, ويبقى الحق ويزول الباطل.
ومنها انتصاره في معاركه كلها إلا في أحد وحنين مع أن التحليل العسكري لم تكن لصالحه لكنها العناية الربانية به وبأتباعه.
أما في أحد خالف الرماة النبي فنزلوا من الجبال اثناء انتصار المسلمين ليجمعوا الغنائم فألتف خالد عليهم وغير مجرى المعرفة إلى هزيمة المسلمين وبقى الرسول وحده صامداً إلا بضعة رجال وشج فمه وكسرت رباعيته، لكن نزلت عليهم آيات القرآن تأدبهم حتى انتشل المسلمون من سبات عصيانهم واتخذوها عبرة له وانتصروا بعدها أي: انتصار.
وأما حنين اغتر بعض الصحابة بكثرتهم وبقلة خصمهم هوازن في ثقيف ونسوا الله هو من ينصر ومن يُهْزِم ففر المسلمون أثناء مباغتة هوازن لهم, ولم يصمد إلا قليل وكان الصمود الأكبر هو للنبي الذي ناداهم وأمر عمه العباس بمناداتهم ورمى بكف من تراب فلم تخلُ عين من عيون هوازن إلا وأصابها التراب وتعدادها أربعون ألف عين وتعدادهم عشرون ألف رجل محارب، فالتف المسلمون حوله مكونين نواة ثم ما لبثت أن تتجمع وتكبر حتى صارت كالإعصار القاصف يدمر الأعداء فهزِمت هوازن وأسلموا ودخل عرب الجزيرة الإسلام.
فمن ذا الذي يستطيع هذا الصمود المحمدي، وهل دخول التراب إلا معجزة حسية لمحمد؟ وقد نصره الله بها، ولو كان مستمسكاً بلعاع من الدنيا لم يصمد هذا الصمود، لكنه مستمسكاً بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها يفعل ما قال لعمه:(يا عم لو وضعوا الشمس في يميني ..).
* مدى إنصاته لغيره
لقد كثر من الصحابة من يناجي النبي محمد حتى استأذى من ذلك وشق عليه الأمر، فأراد الله أن يتلطف عليه، ففرض صدقة له على كل من يناجيه، فلم يفعل ذلك أحد إلا ما قيل من استثناء علي بن أبي طالب ابن عمه، فغفر الله لهم ذلك وألغى حكم الصدقة، وتنبه المناجون وتأدبوا مع رسولهم.

إلى الأعلى