السبت 11 يوليو 2020 م - ١٩ ذي القعدة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قراءة بلاغية في آيات سورة القدر ( 2-2 )

قراءة بلاغية في آيات سورة القدر ( 2-2 )

د.جمال عبدالعزيز أحمد:
نتابع ما بدأنا نشره قبل عيد الفطر المبارك بقية قراءة بلاغية في آيات سورة القدر .. وفيه كذلك أسلوب التعلُّق الذي ورد كثيرا في السورة الكريمة، ويدل على تعلق قلب المؤمن بها،وبما أنزل فيها من القرآن الكريم، والتعلق برحمة الله، وعفوه، والتعلق بأهداب الليلة؛ عسى أن يدخل المسلم في عفوها، وكرمها، واتساع دلالاتها، وقد اتضح هذا التعلق في مواضع عدة، منها (أنزلناه في ليلة القدر)، حيث إنَّ شبه الجملة: (في ليلة القدر) قد تعلق بالفعل (أنزل)، أو في محل نصب حال، وفي نحو: (خير من ألف شهر) حيث تعلق شبه الجملة ب(أفعل) التفضيل: (خير) فهو مشتق، والجار والمجرور يتعلق بالفعل، أو يتعلق بالمشتق، وكذلك التعلق في قوله – تعالى- :” والروح فيها” حيث تعلق شبه الجملة: (فيها)بمحذوف، تقديره والروح حاصلة فيها، أو متحققة، أو كائنة، أو والروح تنزل فيها، أو متحققة فيها، والتعلق في نحو:(بإذن ربهم من كل أمر سلام)حيث تعلق شبه الجملة في كل من: (بإذن ربهم) و(من كل أمر)بقوله: “سلام”، وهي المصدر المؤخر، أو يكون متعلقًا بالفعل المتقدم: (تنزل) ، وذلك إذا وقفت على قوله: “أمر”، وبدأت بقوله: (سلام)، وكذلك يتضح التعلق في نحو: (هي حتى مطلع الفجر) حيث تعلق شبه الجملة: (حتى مطلع الفجر) بفعل محذوف، تقديره تستمر أو تدوم، أو تتحقق وتكون ؛لأن “حتى ” بمعنى هنا بمعنى (إلى أن) أي هي حاصلة حتى آذان الفجر، فقد ورد أسلوب التعلق في السورة كما رأينا كثيرا، وأضفى على الدلالة كثيرا من الرفعة والسمو.
كما دخلها أسلوب التقديم والتأخير الذي بدا في قوله – تعالى-: (من كل أمر سلام)أيْ (سلام من كل أمر)، وكذلك نحو: (سلام هي) أيْ هي سلام.
والملاحظ أن كلمة (سلام) التي ركزت عليها السورة قد قامتْ بالربط بين الكلمات ربطًا محكمًا، وأوضحت تماسكًا كبيرًا، فهي مرة تكون مبتدأ مؤخرا للخبر المقدم: (من كل أمر) أيْ من كل أمر سلام؟، ومرة ترتبط بالضمير (هي(، أي (سلام هي)، ف(سلام) خبر مقدم، والضمير: (هي) مبتدأ مؤخر، ومرة تكون خبرا لمبتدأ محذوف،فإذا وقفت عند قوله – تعالى-: (تنزل الملائكة، والروح فيها بإذن ربهم)،وبدأت، فقلت: (سلام) ووقفتَ، كانت (سلام) جملةً كاملةً حذف مبتدؤها، أيْ شأنها وطبيعتها وماهيتها سلامٌ، أيْ هي سلام في سلام، وكلها سلام، فقد وردت (سلام)، ولها إذن ثلاثة توجيهات؛ الأول: مبتدأ مؤخر لخبر مقدم، والثاني: خبر مقدم لمبتدأ مؤخر: (سلام هي)، والثالث: خبر لمبتدأ محذوف تقديره :هي سلام، أو شأنها سلام، وكذلك تجد من جوانب البلاغة، وكمال البيان في السورة الكريمة حروف المعاني التي لها تأثيرها العميقة، ودلالاتها الرقيقة، والتي أدَّتْ دورا كبيرا في الربط بين الأفعال، والأسماء، والجمل حيث ربطت ربطا وثيقا، أحدث تماسكا دلاليا دقيقًا، وتشابكا معنويًّا واسعًا سامقًا رقيقًا، ففي نحو قوله: (إنا أنزلناهفي ليلة القدر) أكدت (إنَّ)- وهي من حروف المعاني- الإنزال تأكيدًا واضحًا، وجاء حرف الجر: (في) ليبيِّن عمق النزول، واتساعه، وانظرافه في كل لحظة من لحظات الليلة، حتى إنك لا تعرف إلا أنها قد تَنَزَّلُ القرآن فيها كلها،أي في كلِّ ثانية من ثوانيها، وفي كل دقيقة من دقائقها، وفي كل زمن من أزمانها، وحرف الجر: “من” في قوله: (خير من ألف شهر) جاء للبيان، ف(من) هنا بيانية، حيث بيَّنت أن الخيرية تبدأ من أول لحظة في الليلة حتى تشملها كلها، وهي في كل لحظة منها خير من ألف شهر، وتكون عندئذ أخير، وأفضل، وأزكى، وأطهر، وأرق، وأكثر حظًّا وثوابًا من العمل والطاعة والعبادة في ألف شهر.
.. وقوله: (والروح فيها) يبيِّن حرف المعنى ( في) أن الروح سواء أكان سيدنا جبريل- عليه السلام- أم أيْ ملَكٍ شاءه الله، قد مضى في الأرض كلها نازلا، ومصافحاكلَّ يد مؤمنة ساهرة تطيع ، وتعبدن وتسبح، وتدعو،وناظرًا في كل وجوه المعتكفين المصلين، الحاضرين إلى المساجد، الداعين ربهم، الباكين بحرقة، وصدق أن يدخلوا في أهل ليلة القدر، وهو ما يفيده الظرف: “في” فالروح ماضٍ في كلِّ جنبات الأرض، منظرف فيها، غائبٌ في كل أركانها وزواياها، يتفقد أحوال الطائعين، ويدعو لكل المعتكفين، الراكعين هنا، والساجدين، ينظر في وجوه الطائعين، ويدعو لهم، ويسلِّم عليهم، ويبتسمُ لهم، ويبارك قبولهم، ودخولهم في عداد أهل ليلة القدر، ودخولهم فيها، ونوالهم قدرَها، وتحصيلهم منزلتها، وإدراكهم خيرها، وجليل فضلها، وشمولهم تحت مظلتها وخيريتها، وفضلها، ونعمها، وعطاءاتها، واظرافهم في فضلها وكرامتها.
وشبه الجملة: (بإذن ربهم) تناوب هنا حرف الجر الباء معنى (مع)، أيْ تنزل الملائكة مع إذن ربهم، فهي تنزل، ومعها إذنُ ربها، لم تنزل بمحض ذاتها، وإنما هي مأمورة من ربها، وهو أمر يعطي النزول مكانته، ويوسِّده منزلته، وسموه، وعلو مقامه، فهو أمر إلهيٌّ من ربٍّ، قادر، قدير، مقتدر، على الإثابة، والعطاء، والفضل، وفِعْل ما يريد – جل جلاله-، وقوله: (من كل أمر) جعلكلَّ شيء ميسرًا، فالأمر على كل ألوانه، وكل أطيافه، يشمل كل أمر في الكون يصلح للعباد،(أيْ أمر الرزق، والعمر، والسعي، والفضل، والإحسان، والولد، والمال، والصحة، والأجَل) ، فكل ذلك ينزل من الله في هذا اليوم المبارك، مَحُوطًا بالسلام ، بكل معانيه، ودلالاته: (سلام نفسي، وسلام اجتماعي،وسلام كوني،وسلام ثقافي،وسلام نفسي، وسلام فكري، وسلام شخصي) كلُّ الألوان، والأطياف من السلام والخير تنزل في هذه الليلة، وقوله: (حتى مطلع الفجر) أيْ إلى أن يطلع الفجر، ف(حتى) هنا معناها (إلى أن)، وفي ذلك راحة نفسية، في أن العابد في هذه الليلة داخلٌ لا محالة في رحمة الله، وعفوه، وفي ليلة القدر التي تستمر زمانا، ويستمر فضلها طوال الليل، فإنْ فات أحدهمبعض زمن منها، وجد الآخر، وإن فاته أولُه، أدرك بعضَه، وأدرك آخرَه، حتى يستمر فضلها وثوابها إلى آخر لحظة قبل مطلع الفجر،حيث يمكن لآحادنا أن يكون من أهل ليلة القدر، ويدرك منزلتها ولو في آخر لحظاتها، لكن الأولى أن يقومها جميعها، ويسارع بالاعتكاف في أولها لينال خيرتها، ويدرك جلالها، وهو فضل من الله، ورحمة لكلِّ مسلم، وفرحة لكلِّ طائع، وبشارة لكل متأخر؛ حتى لا ييأس من روح الله،أويضيق صدره من فوات رحمته، فهي في كلِّ دقيقة منها خير، وسلام، وهي تستمر برحمة الله إلى آخر دقيقة قبل طلوع الفجر، وهذا يأتي كناية عن امتداد زمنها؛ وهو كذلك كناية عن سعة رحمة الله، واتساع فضله، وشمول عطائه، وواسع منِّهفي كل لحظات الليلة الموعودة الكريمة، وهنا يستبشر كل طائع، ولا ييأس من رحمة الله، ويسر نفسًا وروحا بخيرها وبرها، ودخوله ضمن أهلها.
ومن جانب آخر من جوانب البلاغة فيها والبيان أن تجد فيها الفعلين: (أنزل) بالهمزة، و(تَنَزَّلَ) بالتاء، وهنا لفتة بلاغية جليلة، فكلمة (أنزل) تعني النزول دفعة واحدة، فالقرآن الكريم أنزله الله كله مرة واحدة إلى بيت العزة في السماء الأولى، ثم كان ذلك في ليلة القدر، وأما كلمة (تنزَّل) فتعني التدرج في النزول، وأنه قد بدأ تنزُّله بعد ذلك تباعًا حسب الوقائع والأحداث، ووفق مشكلات المجتمع، وتشريع الإسلام الحل لكل مشكلة، فتطلَّب الأمر اشتمالَ الفعل على التاء،غير أن الملائكة لمَّا كانت تنزل دفعاتٍ دفعاتٍ، وشرائحَ شرائحَ طوال الليل استدعى ذلك وجود التاء لا الهمزة، فقال- تعالى-: (تنزَّل الملائكة….)،وهو فضل كبير من الله – تعالى- فهو في (أنزل) التي هي كناية عن سعة علم الله، وإحاطته بكل ما كان، ويكون، وسيكون في كونه، وكلّ ما حدث، ويحدث، وسيحدث عبر القرون والسنين، وفي كل هاتيك الحيوات، وكذا في الفعل: (تنزل) ففيه كناية عن رحمته، وسعة عفوه؛ حيث جعل الملائكة تنزل أرسالا أرسالا، وأرتالا أرتالا، وأصنافا وأطيافا، وذلك طوال الليل، ولا تنزل مرة واحدة فقد لا يدركها من نام، أو تأخر، أو كانت له ظروف منعته القيام من أول الليلة، وأدرك منها زمنا يسيرا، وتمنى أن يكون من أهلها، فوافق الوزنان (أفعل وتفعَّل: أنزل وتنزَّل) كلَّ ما من شأنه راحة المؤمن، وعلمه برحمة ربه، وسعة عطائه، وكريم فضله، وجليل تشريعه الذي يعم الناس جميعًا.
ومن جانب آخر من جوانب البيان والبلاغة نجد في السورة الكريمة أن عدد حروفها هو مائة وأربعة عشر حرفا ، أي أنها تمثل كل سور القرآن الكريم، وأن عدد كلماتها هو ثلاثون كلمة، تمثل الشهر كله، وأن الضمير “هي” يقع في التسلسل السابع والعشرين، وهي ليلة القدر، كأن القارئ حينما يصل إلى هذا اليوم، وتلك الليلة سارع، وهو يقرأ السورة، ويقف عند كلمة(هي) يسارع ويشير فرحا مسرورا وهو يقول: “هي، هي”.
كما أن ليلة القدر هي تركيب إضافي عبارة عن كلمتين مكونتين من تسعة أحرف، وقد تكررت ثلاث مرات، فيكون حاصل الجمع أو الضرب 9 x3 = 27 سبعا وعشرين، وهو ترتيب الليلة الموعودة، ومن وجه بلاغي بياني أخير، فإن ألفاظ السورة كلها تمتلئ بالنور، والضياء، والرفعة، والصفاء ، كأنها ألفاظ تبتسم وتنير وتضيء في سماء الدنيا وفي سماء وروح كل مسلم ومؤمن وطائع فيها ، ففيها كلمات: القدر- خير- الملائكة- الروح- إذن ربهم- سلام- الفجر) فكلُّ كلماتها تدل عليها، فهي نور من نور الله، وقدر قد علاه قدر، وكلها تأخذ من نور الملائكة النازلة السياحة في الكون، وفيها الروح، والطهر، والعفاف كله، كما أن الفجر الذي يعقب الليل هو آخر كلماتها، فينعكس نورا وضياء على ما سبق منها، فأضاء كل ركن فيها، أسأل الله أن يرزقنا القيام بها، وتحققها، وإكبارها حق قدرها، وأن يسلكنا الله في عداد أهلها، والمكتوبين فيها، وأن يجعلنا من هؤلاء الذين نالوا قدرها، ومكانها، وفضلها، وبرها؛ إنه ولي ذلك، والقادر عليه.
* جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية.
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى