الثلاثاء 14 يوليو 2020 م - ٢٢ ذي القعدة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / كورونا والمؤامرة

كورونا والمؤامرة

سعود بن علي الحارثي

في الوقت الذي نشر فيه “26 باحثا وعالما بيولوجيا درسوا الفيروس الحالي SARS-COV2 المسبب لمرض COVID19 بحثهم في إحدى الدوريات المتخصصة، وأثبتوا بأنه نشأ نشأة طبيعية لا تدخل للإنسان فيها”، وتعكف مختبرات ومراكز أبحاث العالم المتقدم وباحثوه وعلماؤه وأطباؤه ليلا ونهارا على إجراء التجارب والبحث عن مصل ناجح لكورونا، وتحليل العناصر التي تمده بالطاقة وتمكنه من الانتشار والتعرف على خصائصه والبيئة التي تناسبه… يقابله في عالمنا العربي نشاط مكثف وجهد حثيث للترويج لنظرية المؤامرة والتسويق لها ومحاولة إثباتها بتشويه الحقائق وتمرير وإسقاط نصوص قديمة والتعديل فيها وتحويرها لتتناسب مع فكرة أنه ـ أي كورونا ـ مفتعل وصناعة مخابراتية، وانتقاء مقاطع وجمل من روايات وأفلام أميركية للتأسيس للمؤامرة. وأنا شخصيا قرأت عشرات الروايات وشاهدت الأفلام العلمية والخيالية التي تتضمن سيناريوهات مشابهة، فالأدب وصناعة السينما تطورت في الغرب بشكل كبير تواكبا مع الطفرة العلمية الشاملة التي تشهدها دوله، وليس مستغربا أن تتوافق بعض الأحداث معها لأنها روايات وسيناريوهات تهدف إلى التنبؤ واستشراف المستقبل والإعداد له، والغرب يشهد حراكا علميا وفكريا وثقافيا وفنيا لا يتوقف، والكثير منها تنبأت بحروب عالمية وكوارث بيئية وطبيعية وأوبئة…الخ. إن صبغة المؤامرة ـ التي يسعى البعض إلى إلصاقها بهذه الجائحة ـ لا تزال غير مستساغة لي لأسباب كثيرة فصلتها وبينتها في مقالات سابقة، فالوباء تسبب في إلحاق أضرار عميقة في البنية الاقتصادية والاجتماعية والصحية، هو خراب أصاب العالم أجمع، ومؤامرة بهذا الحجم والمستوى لا بد من أن تنكشف وتكشف، وإلا فإن العلماء والأطباء والباحثين والخبراء على امتداد هذه المعمورة إما أنهم سذج مغفلون أغبياء أصابهم العجز عن إدراك حقيقة وأصل هذا الفيروس، أو أنهم مشاركون في المؤامرة وجزء أساسي من مافيا الشر والخبث، وهما نتيجتان لا يقبلهما المنطق ولا يؤمن بهما العقل. فهل سيصمت العالم على موت عشرات الآلاف ـ إذا لم يصل الرقم إلى الملايين ـ ضحايا كورونا وتدمير اقتصاداته؟ ثانيا: لم أسمع من شخصية سياسية أو اقتصادية أو علمية معتبرة أو مجموعة من الشخصيات المحترمة من يقول بذلك، بل إن التقارير والأبحاث الرصينة وآراء العلماء والأطباء تنفي نظرية المؤامرة، ففي تقرير نشرته جريدة الشرق الأوسط بعنوان “كيف نشأ «كورونا»؟ نظريات متباينة حول أصل الفيروس” بتاريخ ١٠ أبريل 2020م ـ أشار إلى أن شبكة «سي إن إن» الأميركية “تحدثت مع أكثر من 6 خبراء في الفيروسات حول أصول تفشي «كورونا»، وجميعهم أكدوا أن جميع النظريات الخاصة بالمؤامرة مجرد تخمين، مشيرين إلى أنه لا توجد أية أدلة مؤكدة على أن الحكومة الصينية أو الأميركية هي التي طورت هذا الفيروس. وأوضح العلماء أن النظرية التي تزعم أن اندلاعه بدأ داخل سوق للحياة البرية في ووهان، هي الأكثر منطقية حتى الآن؛ ففي هذه الأسواق يتم الاحتفاظ بالحيوانات البرية في أقفاص وبيعها على أنها حيوانات أليفة أو على شكل طعام. وفي السياق ذاته، كتب 27 من علماء الصحة العامة من جميع أنحاء العالم بيانا في مجلة «ذا لانسيت»، يدينون فيه نظريات المؤامرة المتعلقة بتفشي “كورونا”. وقال العلماء في بيانهم إن “نظريات المؤامرة لا تفعل شيئا سوى خلق الخوف والشائعات والتحيزات التي تعرّض تعاوننا العالمي في مكافحة هذا الفيروس للخطر”. وفي مقال نشرته مجلة شرق غرب بعنوان “الوباء العالمي واليد السوداء” قالت الكاتبة الصينية شيه يانج بأن الشائعات المرتبطة بكورونا “تجاوزت كل حدود العقلانية والموضوعية” ومنها اتهام الصين بأنها أخفت معلومات قيمة عن الوباء، أو أنها تسببت في نشره. ثالثا: إن مؤامرة من هذا النوع ستكون مغامرة غير محسوبة العواقب وقد تلحق الضرر بأصحابها أكثر من المستهدفين أنفسهم، فمن المستفيد الحقيقي اليوم من هذه الكارثة الهائلة؟ وما وزنه ونفوذه وقوته لفعل ما فعل؟ رابعا: من يؤمن بالمؤامرة أو يروج لها لا يقدم حجة مبررة ولا دليلا واقعيا ولا شرحا مفصلا مقنعا ولا يمتلك للأسف المعلومة، ومن غير المقبول أن نعتبر هذا العالم بأنظمته وشعوبه ومؤسساته وإعلامه وكوادره الطبية حول العالم ومختبراته في شرق الأرض ومغاربها على اختلاف توجهاتهم ومصالحهم بأنهم سذج أغبياء لا يدركون الحقيقة أو لا يستطيعون الوصول إليها. بل لقد بلغ الهوس بمروجي المؤامرة إلى أن ينسبوا الكثير من الأقاويل زورا وبهتانا، إلى علماء كبار، فعلى سبيل المثال انتشرت مقولة في وسائل التواصل كالنار في الهشيم، ألصقت بالعالم الياباني الحائز على جائزة نوبل في الطب في 2018 البروفيسور الدكتور تاسوكو هونجو “يمكنني أن أقول ذلك بثقة 100٪ إن كورونا ليس طبيعيا. لم يأتِ من الخفافيش. لقد صنعته الصين. إذا ثبت أن ما أقوله اليوم كاذب الآن أو حتى بعد وفاتي، يمكن للحكومة أن تسحب جائزة نوبل. لكن الصين تكذب وهذه الحقيقة ستكشف للجميع ذات يوم”. فهل قال العالم الياباني هذا الكلام فعلا؟ وعن أية لغة ترجم هذا النص؟ وهل هذه لغة عالم حصل على جائزة نوبل؟ فيتحدى ويراهن ويحاجج بأن نسبة كلامه تصل إلى ١٠٠% ويطالب بسحب جائزة نوبل إذا تبين بأنه كان كاذبا؟ وبعد بحث سهل ويسير يستطيع أن يقوم به أي شخص يقرأ مثل هذه الترهات لكشف الحقيقة، تحصلت على عشرات الأخبار التي أوردتها وكالات أنباء وصحف تصحح وتنفي الخبر “تم التحقيق من التصريح المتداول ووجد أنه زائف. إذ لا وجود لتصريحات عامة للعالم تاسوكو هونجو حول الادعاء المتداول”. وفي السابع والعشرين من أبريل أصدر العالم الياباني بيانا وصف التصريحات المنسوبة له بأنها “أخبار كاذبة”. مضيفا بأنه و”في ظل الألم والخسائر الاقتصادية والمعاناة العالمية التي لم يسبق لها مثيل بسبب وباء كوفيد 19، يُحزنني كثيرا أن يُستخدم اسمي واسم جامعة كيوتو في نشر أخبار كاذبة ومضلّلة”.
في ختام هذا المقال سوف أعرض لجملة من النتائج والخلاصات على ضوء عشرات المقالات والتقارير المتخصصة التي اطلعت عليها وتنسف من قاموسها فكرة المؤامرة:
• في مقال لحسن العلوي بعنوان “كائنات تتزاحم الحياة أو عندما يصبح الإنسان هو الضحية” أكد أن: “جسد الإنسان البيولوجي يعد حاضنا وموطنا لسكنى وعيش عالم من البيكتريا، والميكروبات والفيروسات وهي كائنات مجهرية لا ترى بالعين المجردة، وكورونا هو من النوع الذي يزاحم الإنسان الحياة ويحوله إلى ضحية .
• في تقرير نشرته الـ”بي بي سي” العربية يلخص ما تضمنته الصحف البريطانية أكد أن: المعلومات المضللة والأخبار المزيفة تتكاثر في أوقات الأزمات وتزدهر. وقدم نماذج كثيرة مثل إصابة البابا واللاعب رونالدو بالفيروس، وبأنه أي كورونا قد “طور في معامل صينية أو أميركية أو فرنسية” وأعاد التقرير سبب ذلك إلى أن الناس ينسجون القصص ويصدقون ما يتوافق مع عقائدهم ومذاهبهم وثقافتهم.
• في تعليق لمعالي وزير الصحة وبعض الأطباء في مجموعة واتساب على ضوء مناقشة نظرية المؤامرة كانت وجهة نظرهم بأنه “لا يوجد ما يثبت نظرية المؤامرة بشأن كورونا”.
•“أكد أنتوني فاوتشي، مدير المعهد الوطني الأميركي للحساسية والأمراض المعدية خلال مقابلة مع “ناشيونال جيوجرافيك” نشرت الاثنين، أن كل الدلائل تشير إلى أن فيروس كورونا الجديد، الذي تسبب بوباء كوفيد-19، “لم يُصنع في مختبر في الصين”، ولم يخرج من مختبرات الفيروسات في مدينة ووهان الصينية، وقال فاوتشي “إذا نظرت إلى تطور الفيروس في الخفافيش وما هو موجود الآن، فالدليل العلمي يميل بقوة شديدة نحو ذلك، وأنه لم يكن بالإمكان التلاعب به بشكل مصطنع أو متعمد. كل شيء يشير بقوة إلى تطور هذا الفيروس في الطبيعة ثم انتقاله إلى أنواع (حيوانية) أخرى”.
• نسب إلى رئيس مدغشقر، تصريحا قال فيه بأن “منظمة الصحة عرضت علينا 20 مليون دولار لإخفاء مصل فيروس كورونا مستخلص من مواد طبيعية …” انتشر التصريح المفبرك الذي لم أجد له أي مصدر في البحث الذي أجريته، كالنار في الهشيم في وسائل التواصل، ووُجد له مريدون ومؤيدون وأعوان ومروجون، فبالله عليكم هل هناك من عاقل يصدق مثل هذه السخافات؟ في إحدى مجموعات الواتساب التي ناقشت هذا التصريح تداخل الدكتور هاني القاضي رئيس قسم الجراحة في مستشفى جامعة السلطان قابوس مؤكدا أن “كلام رئيس مدغشقر غير صحيح، منظمة الصحة العالمية لا تقوم بالتآمر مع بيل جيتس، الرئيس الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لمنطقة الشرق الأوسط هو الدكتور العماني أحمد المنظري، ويأسف لترويج مثل هذه الإشاعات”. ولو أن هناك دواء مكتشفا للوقاية من كورونا بحق، لكانت الفرصة المواتية لتسويقه والترويج له قبل أسابيع من الآن، أثناء فترة الثروة، ولكانت الشركة المكتشفة والمصنعة له ربحت المليارات، أما الآن وبعد تراجع الإصابات وعودة الحياة تدريجيا إلى طبيعتها، وتأقلم العالم نوعا مع الفيروس، فإن التهافت والحاجة إلى المصل تراجعت وسوف تشهد تراجعا أكبر مع مرور الأيام والأشهر.
سعود بن علي الحارثي
Saud2002h@hotmail.com

إلى الأعلى