Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

العمال الفلسطينيون فـي الداخل والحقوق المسلوبة

أبرزت (جائحة كورونا) مشكلة العمال الفلسطينيين من أبناء الضفة الغربية والقطاع داخل «إسرائيل». تلك المشكلة القديمة/الجديدة، والتي تتمحور في جانب منها على فقدان الحقوق المفترضة للعمال الفلسطينيين، في ظل حاجة دولة الاحتلال الإسرائيلي لهم، فهم من وجهة نظر دولة الاحتلال: عمال مهرة، ويد عاملة رخيصة، وذلك للعمل في مجالات مُحددة، كالبناء والمحاجر، والمخابز، ومصانع الإسمنت (البيتون المسلح)، والألمنيوم، والكراجات، وشركات التنظيف، والزراعة، والمطاعم، والفنادق، والمسالخ… في أعمال اقتصرت بمعظمها على المجالات الخطرة، والمجالات التي تتطلب الكثير من الجهد الجسدي، وهي المجالات التي ترفض أكثرية العمال في «إسرائيل»، ولا سيما اليهود منهم، بذلَهُ، إذ إن قلة منهم فقط على استعداد للعمل في مثل هذه المهن.
ووفقا للمعطيات «الإسرائيلية» المنشورة، والتي أكدت جانبا منها تقارير المكتب المركزي للإحصاء الفلسطيني في رام الله مؤخرا برئاسة الدكتورة علا عوض، فإن نسب عمال الضفة الغربية في الفترات الأخيرة، كانت تتوزع بواقع 63,6%، والذين يعملون في قطاع البناء، و13% من العاملين في المصانع والمقالع (المحاجر)، و11,1% من العاملين في الفنادق والمطاعم، و8,9% من العاملين في مجال الزراعة.
أما عديد العمال العرب الفلسطينيين في المناطق الصناعية فمختلف قليلا، فقد أقامت دولة الاحتلال مئات المستعمرات غير الشرعية على الأراضي الفلسطينية وعشرات المناطق الصناعية، فالمستوطنات (وبالأحرى المُستعمرات) لا شرعية لها من وجهة القانون والشرعية الدولية، ومع هذا يتم إجبار الآلاف من العمال والعاملات العرب على العمل في هذه المستعمرات والمناطق الصناعية، ويتعرضون لانتهاكات ومخاطر متعددة، أهمها الاستغلال في الأجر من قبل السماسرة ومقاولي العمل من «الإسرائيليين». وساعات العمل الطويلة. والتعرض للمخاطر والمبيدات والمواد الكيماوية. والضغط النفسي والإساءة الدائمة. وتكليفهم بالعمل في المهن الشاقة والخطرة. وطرد العمال، خصوصا بعد تعرضهم لإصابات أثناء العمل. وعدم تعويضهم أيام الغياب الناتجة عن الإصابة. كما يُسجل لهم الحد الأدنى لأيام العمل، وتشغيل الأطفال في الأعمال الخطرة والضارة بالصحة، فضلا عن تشغيل النساء في ظل شروط وظروف عمل غير لائقة.
إذًا، حقوق العمال الفلسطينيين من أبناء الضفة الغربية والقطاع في الداخل المحتل عام 1948، مهدورة ومستلبة من قبل الجانب «الإسرائيلي»، حيث تُشير تقارير مختلفة إلى أن نسبة العمال الأجانب (تايلنديين + هنود + فيتناميين + أفارقة…) والفلسطينيين، الذين لاقوا حتفهم خلال عملهم، كانت أعلى بكثير من نسبة العمال «الإسرائيليين»، فحتى عام 2015، لقي 13 عاملا فلسطينيا حتفهم خلال عملهم في ورشات البناء، وفي عام 2016، ووفقا لمعطيات «الائتلاف لمكافحة إصابات العمل»، بلغ عدد العمال الفلسطينيين الذين لاقوا مصرعهم 21 عاملا.
فالجهات المعنية بدولة الاحتلال لا تقدم مساعدات مالية لعائلات العمال المتضررين، بالرغم من الضرائب التي تجبيها من أجور هؤلاء العمال. وبحسب تقرير ما يُسمى «مراقب الدولة في إسرائيل»، وما بين عامَي 1970 و1994، فقد تراكم في خزينة وزارة المالية «الإسرائيلية»، مبالغ مالية طائلة تصل إلى عشر مليار دولار، وهي مستحقات العمال الفلسطينيين في «إسرائيل»، وهي نتيجة اقتطاع التأمين الوطني لإجازات مرضية، ولتعويضات تقاعد. وبين عامَي 2009 و2013، تراكمات مستحقاتهم، وهي المستحقات التي لم تُدفع على الإطلاق للعمال الفلسطينيين..!
إن غالبية العمال الفلسطينيين في «إسرائيل» هم من أبناء الضفة الغربية بالدرجة الأولى، وكذا الحال بالنسبة لقطاع غزة قبل الإغلاق والحصار المستديم، وهم من المناطق الريفية ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين، وغالبيتهم من الذكور، يعملون بشكل أساسي في قطاعات التشييد والبناء، والخدمات الفندقية والتجارة والزراعة. ويفضّل رأس المال «الإسرائيلي» العمالة الفلسطينية، كونها عمالةً مرنة، حيث يعمل العمال بمعظمهم في الصباح ويعودون مساءً إلى منازلهم (وهذا ليس متاحا للجميع منهم)، ونفقات الفلسطينيين ومصاريفهم تعود إلى «الاقتصاد الإسرائيلي»، الذي ألحق الاقتصاد الفلسطيني به بشكل بنيوي منذ احتلال عام 1967.
وعمليا، بلغ عدد العمال الفلسطينيين العاملين في «إسرائيل» على المتوسط، وخلال فترات مختلفة، ما بين (130ــــــ140) ألف عامل، منهم ما لا يقل عن ثلاثين ألف عامل يعلمون بدون تصاريح، ما يجعل من التصاريح و(البطاقات المُمغنطة)، والحواجز أدوات استلاب للحياة اليومية للعامل الفلسطيني الذي يعاني معاملة غير إنسانية من قبل المقاول والمراقبين، وسيد العمل «الإسرائيلي» (المُشغّل). كما يطول الاستلاب حقوق العامل كالإجازات والعطل والتأمين الصحي وتعويضات إصابات العمل…الخ.
في الضفة الغربية والقطاع، وهو ما دفع آلاف العمال الفلسطينيين إلى المخاطرة بحثًا عن العمل داخل حدود العام 1948، فكل دقيقة من حياة هؤلاء العمال تمثّل جزءًا من صراع البقاء على قيد الحياة، فهم يتعرضون إلى شتى أنواع المخاطر، من طريقة النقل والوصول إلى العمل عبر طرق صعبة. والملاحقة اليومية والمطاردة من قبل جيش الاحتلال. والعنف والتنكيل والإهانة، حيث يتعرض لها العمال الفلسطينيين من قبل «رب العمل الإسرائيلي». ومشكلة المبيت داخل حدود العام 1948، في ظل ظروف غير إنسانية حيث يضطر العديد من العمال للمبيت في العراء أو العبّارات أو البيوت قيد الإنشاء دون توافر أدنى مقومات الحياة الآدمية، وحرمانهم من تعويض إصابات العمل، انطلاقا من عدم الاعتراف بحقوقهم كعمال، حيث لا حقوق لهؤلاء العمال، ولا يُعترف بهم.
وخلاصة القول، إن مشكلة العمال الفلسطينيين في «إسرائيل» لن تجد لها حلا إلا بإلغاء اتفاق باريس الاقتصادي، المجحف، والمواقع عام 1994 بين الطرفين الفلسطيني و»الإسرائيلي»، وهو ما تشير إليه العديد من الجهات المعنية في السلطة الفلسطينية، بما فيها نقابات العمال الفلسطينية.
لقد أدّت السياسات والإجراءات «الإسرائيلية» بحق الشعب العربي الفلسطيني في فلسطين من إغلاق وحواجز، ومصادرة الأراضي والمصادر الطبيعية، وجدار الفصل العنصري، وغيرها الكثير، والآن مع وجود (جائحة كورونا)، إلى الاستمرار في ارتفاع نسب الفقر والبطالة بين الفلسطينيين
علي بدوان
كاتب فلسطيني
عضو اتحاد الكتاب العرب
دمشق ـ اليرموك
ali.badwan60@gmail.com

علي عقلة عرسان


تاريخ النشر: 6 يونيو,2020

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/385107

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014