الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / فدائيون…ومقاومة شعبية فدائية

فدائيون…ومقاومة شعبية فدائية

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

وفق المقسوم، أو ما تسمح به حال أعزل مقهور مستفرد به، ومن بدا له وكأنما تخلت أمته عنه، وثبت له ولعقود توالت بأن البشرية قد أدمنت تجاهل عذاباته، وتكاثر المتآمرون والمتواطئون والسماسرة لتصفية قضيته العادلة، وانشغلت فصائله بتأبين آخر مغدورة في مسلسل مصالحاتها التكاذبية البائسة… كان لا بد للشعب الفلسطيني المقاوم، وكنوع من فعل ضرورة وشرط بقاء، أن توالي غضبته الساطعة ابتداع المستجد من أشكال ابتكاراته النضالية المتفردة، هذه التي لطالما أدهشت الجميع، والتي هي الآن تثير رعبًا باديًا يضرب أطنابه في كافة المستويات داخل الكيان الصهيوني… لم تكد تتوقف أصداء ملحمة الصمود الفلسطيني الأسطوري في غزة المحاصرة بعد، حتى بدأت الضفة شبه المهوَّدة تشهد نوعًا فريدًا من العمليات الفدائية المقاومة، والتي تواترت دهسًا وطعنًا لجنود محتليها، بمعنى أن وسائلها قد تكيَّفت مع قلة ما في اليد وما يتوفر لها في واقع حال شعب أعزل يرزح تحت نير محتل باطش وطائلة ملاحقة أمنية ذات شقين: صهيوني لا يرحم وأوسلوي لا يرعوي، وكلاهما يتعاضدان بفضل من وشائج التنسيق الأمني “المقدَّس” بينهما لقمع مقاومته، حيث تبلي الأدوات الدايتونية الفلسطينية فيدورها هنا بلاءً مشهودًا استحق اعتراف الصهاينة والإشادات الأميركية المتكررة.
لم يعد الحديث الآن يدور فقط حول انتفاضة مقدسية اندلعت وتتصاعد، ولا عن بداية تلوح لما هي الأشمل الآخذة سبيلها للاتساع فحسب، لا سيما بعد أن ترددت أصداء ما يجري في القدس في جنبات الجليل، متجاوزةً إلى حين الضفة، التي قلنا في مقال سابق إن جمر غضبتها الكامنة يستعر تحت رماد شائن الكبت الدايتوني، وتعدتهما، فلامست أوجاع غزة المحاصرة التي لم تضمِّد جراحها وتخرج من تحت ركام دمارها بعد، وطفقت تنكأ مكبوت غيظها وهي التي على شفا استحقاق انفجار أخاله يقترب… الحديث بات يدور الآن عن متلازم إبداع فدائي يؤشر على مقاومة شعبية بدأت تنضج، لم تستأذن فصيلًا ولم تضع في حسبانها وجودا لسلطة يشهد لها الجنرال يعلون بأنها “تعمل معنا ميدانيًّا لمنع التصعيد، وهي تعقد معنا لقاءات تنسيق” في مواجهة ما بات الجنرال يدعوه الآن بـ”الإرهاب الشعبي” الفلسطيني!
جديد الشعب الفلسطيني النضالي، الذي لم تنجُ منه تل أبيب، أقلق الصهاينة ورعاتهم الغربيين وأدواتهم في ديارنا، وجعل الذعر، كما قلنا، سيد اللحظة لدى كافة مستعمري الكيان الغاصب، لدرجة يفح فيها حاخام حاقد من أمثال إسحاق ليفانون مفتيًا: إن “كل سيارة يقودها عربي تعتبر مركبة حربية”… ويصرخ دموي فاجر مثل نتنياهو: إن “الإرهابيين يريدون طردنا من كل مكان”… حتى الآن، هذا الجديد المقلق لكيان هش ومفتعل لم يزد بعد على ما تكفَّل به حتى الآن أربعة فدائيين لا أكثر، لم يأخذوا إذنًا من أحد، وتحدوا التنسيق الأمني الأوسلوي مع الاحتلال، ولم ينتظروا نصرة للقدس المستباحة تأتيها من عرب قعدوا ومسلمين أشاحوا… نصرة كان بديلها هو الذي لم يزد على قليل من تحرُّك مُحرَج أو استنكار خجول، وكلاهما تعوزه النخوة وتجافيه الحمية وتنقصه الجدية… أربعة شبان أبطال، وأربع عمليات بطولية تلاحقت، وكانت ساحاتها القدس والخليل وتل أبيب وجنوب بيت لحم، عرفنا ثلاثةَ الشهداء الأبرار منهم ، إبراهيم العكاري، ونور الدين أبوحاشية، وماهر الهشلمون…
الانتفاضة المقدسية، الانتفاضة الشاملة، المقاومة الشعبية، ونعني هنا ذات الصلة بحرب الشعب وليست مجرد الاحتجاجية على الطريق “البلعينية”، مع مقترب الانفجار الغزي، وربما من بعده ما هو الأشمل، كلها مستحقات موضوعية أحسب أنها الآن قد باتت الأكثر من فعل ضرورة، كما لا بد لها وأن تتوازى جميعًا في راهن طفح فيه كيل شعب يقهر لكنه لا ينكسر، وتتهدد فيه قضية بالتصفية لكنها أكبر من أن تصفى، وحق سيظل أبدًا وراءه مطالب، والمطالب به ديدنه بذله للمذهل من التضحيات حتى استرداده… نعم فعل ضرورة باتت تعكسه مخاوف صحيفة صهيونية كـ”يديعوت أحرونوت” فتصفه باللهيب الذي “ينتقل من مكان إلى مكان، وكل بؤرة اشتعال تغذي وتلهب الأخرى”، وتذكِّر: “هذا كان في الانتفاضة الأولى، انتفاضة الحجارة، وفي الانتفاضة الثانية، انتفاضة الانتحاريين”…
…نعم فعل ضرورة، وإذ يولول الصهاينة وتداهمهم بسبب منه فوبياهم الوجودية المعتَّقة، إلا أنهم بدمويتهم واستراتيجيتهم التهويدية ومخططاتهم المعلنة والمضمرة، وكل سمات طبيعة كيانهم الاستعمارية، إلى جانب إدخالهم الدائم للدم الفلسطيني في مقايضات بازاراتهم الانتخابية، يزيدون من استحقاقات هذه الضرورة ومن أوار التهابها التهابًا… القدس هوِّدت وتستباح مقدساتها، والمستعمرات تغدو مدنًا تبتلع ما يجاورها وتتضخم باستمرار، ثم يأتي ما يسمى قانون “انتفاع المستوطنات”، الذي يعني سريان قوانين الكيان عليها، أو ما يعني ضما فعليا غير معلن قانونيا وإجرائيا لـ62% من مساحة الضفة بعد اقتطاع القدس الكبرى منها، أو ما يعرف بالمنطقة سي، للكيان، أي وأد بائن لوهم حل الدولتين الأوسلوي، وحيث يواصل الصهاينة والعرب محاصرتهم لغزة، وزيادةً، يتوعَّد نتنياهو فلسطينيي المحتل من فلسطين العام 1948 المتظاهرون إثر استشهاد ابن كفر كنا خير الدين حمدان قائلًا: “أنتم مدعوون للانتقال إلى هناك، إلى السلطة الفلسطينية، أو غزة… أعدكم بألا تضع دولة إسرائيل أي عراقيل في طريقكم”!!!
المفارقة هي في أن نتنياهو يتهم أبو مازن بأنه السبب فيما يصفه يعلون بـ”الإرهاب الشعبي” في حين يتهم أبو مازن حماس بتفجيرات غزة الملتبسة، وتنشغل باقي الفصائل، أو لا تجد ما تُشغل نفسها به، سوى مصير المصالحة المهدورة التي تعلم أنها تظل المستحيلة بين من يقاوم ومن يساوم… أما الشعب الفلسطيني فأخذ على عاتقه المبادرة بادئًا بالمقاومة الشعبية الفدائية…

إلى الأعلى