الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / منعطفات تربوية حادة

منعطفات تربوية حادة

أ.د. محمد الدعمي

في جهد استرجاعي، حاولت أن أقارن بين نظم التنشئة والتربية التي أنتجت جيلي، من ناحية، وبين “فوضى” التنشئة والتربية التي ظفرت بالأجيال التالية، خاصة الجيل الصاعد الآن على نحو خاص من أجل كنه سر هذا الاندفاع المتعامي الذي تبديه قطاعات واسعة من النشء والشبيبة للالتحاق بالشبكات الإرهابية التخريبية عبر عالمنا العربي الإسلامي. لذا، فقد لاحظت أن الخلل يقبع في الأنظمة التربوية التي خصها أولو الأمر عبر العالم العربي بأسخى النفقات وأخلص الرعاية، إلا أن مخرجاتها كانت محبطة ومخيبة للآمال، للأسف.
وإذا كان العديد من نقاد المجتمع يتفقون معي على اختلال الأنظمة التربوية التي أنتجت “داعش” و”القاعدة” وأخواتهما، فإن علينا أن لا نكتفي باالتشخيص، ذلك أن التشخيص وحده خالٍ من الجدوى إن لم يقد إلى إيجاد الدواء الشافي لهذه الآفات التربوية، الثقافية، الاجتماعية المميتة التي، كما يبدو، لا تستثني أحدًا من آثارها المدمرة.
في سياق هذه المقارنة، لا بد للمرء أن يلاحظ أن أهم المتغيرات الخطيرة قد تجسد في كسر احتكار الأسرة التقليدية والمدرسة للتربية والتنشئة والتعليم. إذا كان المرء الذي يخرج من ملجئه الأساس، دار العائلة، لا يعرف سوى ما عبيء به من حب للفضيلة وكراهية للرذيلة على أيدي الكبار من أبناء الأسرة، الأب أو الأم، الأخوال والأعمام والإخوة الكبار، فإنه يدخل مباشرة، قبل أن يتعرض لعواصف المجتمع إلى المدرسة، إذ تخدم هذه المؤسسة التربوية العظيمة مجالًا ثانيًا يضمن للأسرة والمجتمع على حد سواء الاطمئنان لتنشئة كلاسيكية طيبة أشبه ما تكون بالمبادئ الأولى التي تلقاها النشء داخل دار الأسرة الصغيرة، العائلة. هكذا تتكرس الأسس القوية للفضيلة وتتعمق في دواخل الفرد، مع إشارة خاصة إلى المعارف والعلوم التي يكتسبها سوية زيادة على مبادئ التنشئة الأساس.
على هذا المنوال، وفي بوتقة اجتماعية تقليدية مغلقة ينتقل المرء من المدرسة الإعدادية أو الثانوية، بكل نقائه وما حمل به من مبادئ وروح خيرية إلى الجامعة. أما الجامعة، فإنها تكرس معارفه ومعلوماته دون المساس بالأسس الأخلاقية والمجتمعية المتوارثة التي سبق أن تلقاها وهضمها المرء حد ابتنائها في كينونته وطرائق تفكيره وعاداته السلوكية.
وإذا كان الأمر كذلك عبر الأجيال السابقة، فما الذي حدث كي يكسر الاحتكار السابق للتربية والتنشئة درجة التهشم الذي أنتج لنا هؤلاء العميان الذين ينضمون للشبكات الإرهابية بهذه الأعداد العالية، حتى صار الإرهاب، الذي لم نكن نسمع عنه سابقًا، محور الحياة والصراعات الكونية اليوم؟ يمكن للمرء أن ينحى بلائمة كسر الاحتكار على: (1) الإعلام والثقافة الشائعة، وأقصد به ذلك الإعلام وتلك الثقافة غير الملتزمة التي تقدم أغنية طولها بضع دقائق في أجواء نصف خيالية ونصف أسطورية تمور بها عشرات الراقصات والمشاهد الفضفاضة الخالية من المعنى، في حين كنا نستمع لأغنية قد تطول ساعة كاملة دون الحاجة إلى أرتال الراقصات والراقصين، مكتفين بالمعنى وبالجوهر الحق للفن.
أما العامل الأخطر في هذا السياق فيتجسد في (2) الارتماء المتعامي للشبيبة بأحضان شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) التي قدمت لها ما لم يكن في المخطط أو المتخيل من قنوات تواصل مع من تريد وفي أي بقعة من الأرض. وهكذا حطمت قنوات وآنية التواصل الاجتماعي الاحتكار السابق للتربية والتنشئة، فاكتملت معطيات العولمة على نحو نهائي وساحق، ولم تفعل الأنظمة التربوية الكلاسيكية شيئًا للحفاظ على ذاتها لإدامة احتكارها للدرس الفضيل والمعنى القيمي السامي.
أرى أن الانكفاء على فضاءات التواصل الاجتماعي يشبه الغرق في بحر عميق ومظلم لا مخرج منه بالنسبة لشبيبتنا التي لا تحسن أبسط المهارات العملية للأسف: لذا قل الإنتاج وضعفت نوعيته وساد الظلام.

إلى الأعلى