الخميس 20 يوليو 2017 م - ٢٥ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / قراءات بين الشرق والغرب

قراءات بين الشرق والغرب

وحدة وسط الزحام
-2-
السائد في العلاقات الغربية الاجتماعية والشخصية الخاصة هو دوائر من العلاقات المؤطرة بإطار حدود الفرد ضمن الجماعة تحديدا محكما. ومن يحاول الخروج على هذه الأطر المجتمعية يكون ساذجا سيتعرض ولا بد لتجارب مريرة وفاشلة تلقنه العديد من الدروس القاسية كي ينضوي تحت أحكام المجتمع, وربما تلقيه في مهب نبذ المجتمع ككل والارتماء بين أحضان اللامسؤولية تماما كما يحدث حين يختار بعض المشردين حياة اللامسؤولية والانضباط تحت قوانين الحياة القاسية ليقرر العيش في الشوارع دون تعليم أو عمل. وبعض هؤلاء يكون نزوعهم نحو حياة “الفردية” كبيرا ليلقوا بأنفسهم في أحضان المجهول وحياة ضائعة في مدن كبيرة كلندن مثلا.
وقد كانت ظاهرة “التشرد” وبخاصة في سن الأطفال ما دون الثامنة عشرة مما لفت انتباهي بدرجة كبيرة في لندن. فكنت أتساءل كيف يمكن وجود هذه الظاهرة في بلدان متقدمة صناعيا وفيها من النظم الاجتماعية والمعونات الاجتماعية ما يكفل عيشا كريما أساسيا للأفراد المواطنين. وأذكر أنني رأيت الكثيرين منهم في وسط لندن, وفي بادئ الأمر لم أدرك ما يجري, وذات يوم اقتربت من فتى صغير بوسط لندن, وبجانبه كلبه وخطر لي أن أجري حوارا معه, لكنني تبين لي أنه غير مهتم البته بمحاولة حل مشكلته ومعرفة سببها, بل انصب جل اهتمامه على بضعة قروش. وبلمحات من قصته عرفت أنه هرب من بيت أهله البعيد, والقدوم للندن لما فيها من حياة أكثر صخبا, فضلا عن حياة الشارع التي ليس فيها التزام بفواتير أو غيرها تشكل هذه الحياة مسلكا – خاملا- وطريقة للعيش الساذج ليوم واحد, رغم ما فيها من أخطار البرد والمستقبل الضائع المجهول أو الارتماء بين أحضان النوايا السيئة والشريرة وطريق السوء في مدينة عالمية بها من الأخطار ما بها. وهذه المشاهدات الكثيرة لمشردين في أعمار صغيرة تعيد للذهن قصة “أوليفر تويست” التي وصف من خلالها “تشالز ديكنز” الروائي الإنجليزي الشهير ملامح من الحياة الاجتماعية لمدينة لندن في القرن التاسع عشر. وقوع الفتى الصغير أوليفر تويست البرئ بين أحضان عصابة سرقة كانت تمارس نشاطاتها في لندن تحت رعاية اليهودي (Fagin), يبدو – وبرغم براءة وسذاجة الغلام أوليفر تويست في قصة ديكنز- أن قصة التعرض لأخطار لندن تتكرر كسمة عامة للخروج عن قضبان الحياة العائلية الكريمة, فمشاهدات “المتشردين” في مدينة لندن لا تخلو من مشاهد الكحول وما قد تخفيه أكمام الأطفال الرثة وحياتهم البائسة في نظرات زائعة تطالع الرائح والغادي, كما تعودهم على “الاستجداء” وطلب المال السهل, فضلا عن العالم البائس الذي قد ينفتح عليهم, في إطار نظرتهم المغلوطة للمجتمع السوي والتي قد تتكرس يوما بعد يوم لمشاهدتم نماذج طبيعية لأفراد يتمتعون بحياة كريمة وبحياتهم وشبابهم بما عاد عليهم كدهم وتعبهم من مهن شريفة وكسب يدهم.
وهكذا يكون لدفع المجتمع لأفراده في الغرب نحو “الفردية” نتيجتان حتميتان: إما شخصية قوية يتمحور العالم كله حولها, لكنها شخصية ناجحة تقود حياة جيدة وتعرف كيف تحتال لنفسها وتحصل على ما تريد بدون أن “يضحك” عليها أو يتجاوز حدودها أحد. وإما شخصية فاشلة, دفعها عدم قدرتها على مواجهة صلابة الحياة إلى التحوصل في “فرديتها” والهرب بعيدا عن قيود وقوانين المجتمع والحياة لتنتج فردا متحوصلا في الزحام الشديد – وهذا الصنف الأخير يشمل “المتشردين” الذين تفضحهم الأسمال البالية والمنظر البائس في وسط المدينة, ويشمل “أفرادا” متحوصلة غير ظاهرة للعيان ولا يسهل تبينها بين ثنايا المجتمع. وهؤلاء تظهرهم فقط التجارب الفاشلة المجتمعية حين يقعون فريسة العديد من الإرهاصات مما قد تسبب لهم عقدا نفسية تجاه المجتمع وتجاه غيرهم من الأفراد مما يكرس عندهم مجموعات من الممارسات الخاطئة, أو يعيد ظهورهم ضمن فئات مجتمعية مستحدثة وضمن ظواهر لم تكن بالمجتمع الأصلي. وفضلا عن ذلك يعيد إنتاج مجموعات من القيم المجتمعية المستحدثة التي لم تكن في أسلافهم. فمن ذلك مثلا أن الجيل القديم – وأعني بذلك الجيل السابق قبل 50 عاما – كان يقدس الأسرة والحياة الزوجية, بينما الجيل المعاصر في الغرب ينظر لذلك الرباط العائلي الزوجي على أنه “تقييد” لحرية الفرد, وعلى انه يمكن العيش والتعايش بين شريكين في الحياة بدون “ورقة صورية” على حد زعمه. وفي الحقيقة فهذه “النزعة الفردية” التي أنشأ المجتمع الغربي أفراده عليها قد جعلت من الترابط الثنائي بين أفراده بمثابة “عبء نفسي” لا يمكن احتماله في حال الارتباط التقليدي من خلال مؤسسة الزواج. فهناك الكثير من حالات الزواج الفاشلة التي لم تستمر أكثر من مدة غالبا ما تتراوح بين أشهر معدودة إلى سنوات أربع بين شريكين عاشا معا بدون ارتباط لسنوات طويلة. وكثيرا ما ينفصل شاب وفتاة غربيين لمجرد أنهما “فقدا حريتهما الفردية” بعد الزواج. فأي ارتباط آخر غير “عقد الزواج” يكون مقبولا ويمكن التعايش معه عقليا, لكن بمجرد الارتباط التقليدي أو أحيانا التفكير فيه يقود ذلك للانفصال, فعقلية الفرد الغربي التي نشأت على تقديس الفردية لا تكاد تحتمل قيودا اجتماعية من أية نوع. ولذلك فغالبا ما تسود المجتمعات الغربية اليوم أنماط متعددة من الزواج الصوري مثل التعايش مع “الصديقة”, أو التعايش مع “الشريك”, وأحيانا ما يفكر من عاش وأنجب الكثير من الأولاد “خارج مؤسسة الزواج التقليدية” من الارتباط والزواج بعد أكثر من عدة عقود من العيش معا!
هذه الطبيعة الاجتماعية والأنماط المستحدثة في تنمية ظاهرة “الفرد المتحوصل داخل الزحام” تقود المجتمعات الغربية اليوم لهاوية لا يعرف قرارها. فاللبنة الأساسية ضمن الأسرة هي لبنة مستقلة لا يمكن دمجها ضمن العائلة. ولا تجتمع العائلة ولا يعرف “روابطها” إلا في مناسبات اجتماعية متباعدة كعيد الميلاد السنوي (الكريسماس), وربما تفوت فرصة الاجتماع السنوي في بعض الحالات. ولأن العائلة تفتقر للروابط الحميمة بين “أفرادها” يكون المجتمع “فرديا” وقائما على الفردية المطلقة. ولذلك فبخلاف بعض الحالات التي تنعم بثراء مادي أو “جاذبات” مادية, يعاني الكبار في السن في المجتمعات الغربية من “وحدة” تكاد تكون قاتلة. ولذلك تشيع في المجتمعات الغربية ظاهرة تربية الكلاب بين العجزة, حيث تمثل فكرة “المشي اليومي” لترييض الكلب حتى لا “يجن” الكلب بحبسه داخل البيت فرصة للمشي الآمن للعجوز أو الرجل الهرم ذاته في الشارع بمأمن من الاعتداء عليه وتعريض حياته للخطر. وفي الوقت ذاته تمثل “الطقوس” اليومية من حمام الكلب وشراء طعامه, فضلا عن استخدامه كعنصر حماية شخصية, وربما كأنيس في البيت, جزءا من الثقافة الغربية لمجتمعات أفرزت “أفردها” وغذت فيهم روح التحوصل والأنانية الشخصية بعيدا عن روح الجماعة.
وفي مقابل هذه الصورة, هناك صورتان متغايرتان في مجتمعاتنا العربية, إحداها تقليدية تقدس الجماعة وتضع الفرد في مكان محدد ضمن روح الجماعة وتعاليمها وتكرس الهرمية الإجتماعية ومكانة الفرد من ذكر وأنثى وكبير وصغير ضمن منازل متفاوتة تخضع لتعاليم وإملاءات المجتمع الكلي وليس بمعزل عن رقابته اللصيقة – وهذه الصورة التقليدية مغايرة تماما للصورة الغربية. أما الصورة العربية المعاصرة والمستحدثة والتي باتت تنزع نحوها بعض المجتمعات العربية فتنزع للتأثر بمظاهر العولمة ومناحي “صورية” من المجتمعات الغربية. فالفرد في المجتمع العربي يظل “مربوطا” بأطر الجماعة رغم أنفه من حيث عدم قدرته على تدبير شؤونه الخاصة وتبعيته المطلقة واعتماده على عائلته حتى قبيل وفاته, لكنه – واهما – ينزع “صوريا” نحو شيء من “الاستقلالية” الفردية في مظاهر ساذجة, غالبا ما تسمها صفة “الممارسة السرية بعيدا عن رقابة المجتمع المحيط” ظنا منه أنه يمارس استقلالية فكرية وشخصية على غرار الفرد الغربي. لكن الحقيقة أنه يدور في هامش بسيط لا يمكن تصنيفه بحال على أنه استقلالية – فالفرد العربي يحيا ويموت كعبء على ذويه بممارساته المختلفة, الخيرة والشريرة. لكن كلتا الحالتين تحتاجان للمزيد من التأمل والتفكير، إذ لا بد من وجود بديل وسيط يجمع الحسنيين من كلا النظامين يستفيد من ايجابيات كليهما!

وليد احمد السيد

إلى الأعلى