الإثنين 21 سبتمبر 2020 م - ٣ صفر ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / حتى لا تذهب استثماراتنا مع الريح

حتى لا تذهب استثماراتنا مع الريح

خميس التوبي

مع كل مرحلة من مراحل التنمية الشاملة والمستدامة، تتعزز أهمية الاستثمار وذلك لارتباطه بالاقتصاد والتنمية في مختلف جوانبها وقطاعاتها، وتزداد الحاجة إلى الاستثمار حين تكون هناك رغبة أكيدة إليه لدفع عجلة الإنتاج إلى الأمام، وإعطاء الزخم اللازم للتنمية لمضاعفة الدخل وتعدد مصادره، وتوفير فرص عمل.
وكما هو معروف أن الاستثمار إحدى وسائل التنشيط الاقتصادي والتنموي تحرص عليه حكومات الدول، بل وتشجع عليه، وتضع قواعد وضوابط وأسسًا من أجله، وتسنُّ قوانين تحميه، لكونه منفعة لا تعود على المستثمر وحده، وإنما تعود على الدولة والمستثمر معًا، الأمر الذي يجعل مبدأ الشراكة قائمًا ويتعزز مع توالي الأيام، وتحقيق المنافع المشتركة التي يجنيها كلاهما.
ولمَّا كان الاستثمار عنصرًا حيويًّا وفعالًا أثبت أهميته ودوره في تحقيق عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بغض النظر عن ما إذا كان هذا الاستثمار محليًّا أو أجنبيًّا، حرصت عليه السلطنة كغيرها من دول العالم، وأخذت تضع سياسات خاصة بالاستثمار تروِّج له وتشجع عليه، حيث الاتجاه نحو تعميق دور الاستثمار وتنشيط مجالاته، خصوصًا وأن السلطنة تمتلك قطاعات ومجالات ومقومات متعددة يمكن الاستثمار فيها، بل وتحقق الفوائد والمنافع المرجوة، كالقطاع السياحي والقطاع البلدي والقطاع الصناعي وغيرها، فضلًا عن ما تتمتع به السلطنة من بيئة آمنة ومستقرة دائمًا ما يبحث عنها المستثمرون.
الأسبوعان الماضيان كانت السلطنة على موعد مع حدثين حظيا باهتمام ومتابعة من قبل الجميع:
الأول: صدور المرسوم السلطاني رقم (61/2020) بإنشاء جهاز الاستثمار العماني تكون له الشخصية الاعتبارية، ويتمتع بالاستقلال المالي والإداري، ويتبع مجلس الوزراء، ويكون لجهاز الاستثمار العماني مجلس إدارة يشكل بأمر من جلالة السلطان، ويصدر بنظام جهاز الاستثمار العماني مرسوم سلطاني، وتؤول إلى جهاز الاستثمار العماني كافة الاختصاصات والمخصصات والحقوق والالتزامات والسجلات والموجودات والأصول والاستثمارات المتعلقة بصندوق الاحتياطي العام للدولة، والصندوق العماني للاستثمار، والمديرية العامة للاستثمارات في وزارة المالية، وتنقل إلى الجهاز من وزارة المالية ملكية كافة الشركات والاستثمارات الحكومية، ويستثنى من ذلك شركة تنمية نفط عمان، ومساهمات الحكومة في المؤسسات الدولية، والشركات التي يصدر بشأنها أمر من جلالة السلطان. ولا ريب أن هذه الخطوة من لدن حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ تأتي ضمن عزم جلالته ـ أيده الله ـ على إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة، ومراجعة أعمال الشركات الحكومية مراجعة شاملة بهدف تطوير أدائها ورفع كفاءتها وتمكينها من الإسهام الفاعل في المنظومة الاقتصادية، وفق ما جاء في الخطاب السامي لجلالته الذي تفضل بإلقائه في الثالث والعشرين من فبراير الماضي، الأمر الذي يعكس الالتزام والوفاء والصراحة والشفافية وتحمُّل المسؤولية من قبل جلالته ـ أعزه الله ـ ويبعث على الارتياح والاطمئنان بأن عُمان مقبلة على مرحلة جديدة يتحقق فيها مزيد من العطاء والإنجاز والاستثمار، حيث ستكون هذه المؤسسات وما لديها من أصول واستثمارات ونشاطات تحت عينَيِّ جلالته ـ أبقاه الله ـ وهو ما سينعكس أثره الكبير على أداء هذه المؤسسات، وسيعزز الجانب الاستثماري، ويعود بالخير على عُمان وأهلها بإذن الله.
أما الحدث الثاني فيتمثل في اتفاقيات الانتفاع الثلاث التي وقعتها وزارة البلديات الإقليمية وموارد المياه لاستثمار مواقع تابعة لها في كل من المعبيلة الصناعية بولاية السيب بمحافظة مسقط وفي ولاية نخل بمحافظة جنوب الباطنة وفي ولاية البريمي بمحافظة البريمي، حيث جاءت هذه الاتفاقيات في إطار حرص الوزارة على تعزيز دورها البلدي من منطلق سعيها إلى التطوير المنشود، وملامسة احتياجات التنمية وتلبية متطلبات القطاع البلدي، والبحث عن وسائل جديدة مساندة تتيحها عملية الشراكة بين القطاعين العام والخاص، فقيمة العقود الاستثمارية للاتفاقيات تتجاوز ستة ملايين ريال عماني. كما أن الوزارة ـ مثلما قال معالي وزير البلديات الإقليمية وموارد المياه ـ تسعى إلى تعزيز وتنمية الجوانب الاستثمارية في الأراضي والمواقع التابعة لها، وذلك مواكبةً لرؤية “عُمان 2040” في محور الاقتصاد والتنمية، ومشاركة القطاع الخاص في التنمية المستدامة، وتقديم فرص استثمارية للمستثمرين بما يسهم في الارتقاء بالخدمات البلدية والمائية المقدمة على أرض السلطنة، وبما يعود بالنفع على الجميع، بالإضافة إلى مساهمة الوزارة في دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز الاقتصاد الوطني وتوفير فرص عمل للشباب، كذلك الاستفادة الاقتصادية والتجارية من موقع السلطنة الحيوي.
ولا ريب أن هذه الاتفاقيات إذا ما حققت النجاح الذي تسعى إليه الوزارة، بل البلاد بأسرها، ستمثل إضافة للجهود البلدية القائمة على التطوير والتجميل، وتقديم الخدمات وتيسيرها، وستخدم المجتمع المحلي في الولايات ذات مواقع الانتفاع بوجه خاص، والولايات المجاورة بوجه عام، حيث يتم ـ عند طرح أي موقع للاستثمار ـ مراعاة أن يكون قريبًا من المرافق العامة والأسواق والمراكز التجارية، كما يراعى قربه من الخدمات الأساسية كالطرق وخدمات الكهرباء والمياه. إلا أن بقاء ملكية هذه المواقع للحكومة أو للوزارة مع استمرار استثمارها ـ في تقديري ـ يضمن ديمومة هذا الاستثمار حتى لا يكون حالها كحال غيرها من مواقع الانتفاع والاستثمار التي ذابت مع الزمن وذهبت مع الريح وانتقلت من ملكية الحكومة. فأرشيف عدد من الوزارات الخدمية فيه قصص عن الاستثمار عبر منح أراضٍ تابعة لها للانتفاع، حيث الأحلام الوردية برؤية مشروعات تطويرية وخدمية يعود ريعها للوزارة صاحبة الاستثمار، وتخدم المجتمع، غير أن هذه القصص انتهت إلى نهايات مؤلمة ومحزنة، وتبددت معها الأحلام الوردية، وذلك باختفاء المشروعات الخدمية والتطويرية، أو بانتقال هذه الأراضي لملكيات خاصة مع إخفاء مقصود ما قام عليها من مشروعات.

خميس بن حبيب التوبي
khamisaltobi@yahoo.com

إلى الأعلى