الأحد 22 يناير 2017 م - ٢٣ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / تلك الاشجار الميتة مازالت تنبضُ بالحياة ..

تلك الاشجار الميتة مازالت تنبضُ بالحياة ..

الورق … تقنية القراءة الحديثة ؟ لـ براندون كيم

كان من المفترض أن تكون الكتب الورقية قد تلاشت في وقتنا الحالي؛ فمنذ سنوات عدة أخبرنا منظرو المعلومات والمسوقون والمستهلكون الأوائل بأن موت الكتب الورقية أمرٌ وشيك الحدوث، بل إن شركة آيكا للأثاث1 أعادت تصميم رفَ كتبٍ لتوضع عليه أشياء أخرى غير الكتب ، ولكن على الرغم من اكتساح الشاشات الالكترونية العالم ، مازال يفضل الكثيرون القراءة من الكتب الورقية عندما يرتبط الأمر بالقراءة الجدية.
عُدّوني واحداً من هؤلاء ؛ فعندما أرغبُ في القراءة بعنايةٍ وإمعان، أو إذا ما ودَدْتُ الغوصَ في أحداث قصةٍ أو رحلةٍ فكريةٍ ما أو حينما يصبح الفهم والتركيز ضروريان للنص الذي أرغبُ في قراءته ، حينها لابد من اللجوء إلى الكتاب الورقي ؛ فهناك شيءٌ ما في قراءته يجعلك تشعر بأن له قيمةً جوهرية تفوق قيمة القراءة من الشاشة الالكترونية، وقد توصل الباحثون فعلاً إلى أن هناك أسبابا مرتبطة بهذا الشعور.
ولكني أقرأُ الكترونياً – في غالب الأحيان-عندما أرغبُ في نسخ نصٍ ما لغرض بحثٍ معين أو عندما لا أرغبُ في حمل مكتبةٍ صغيرة معي ؛ إذ تشعرُ بسعادةٍ استثنائية عند قراءة القصص الخيالية في وقت متأخر من الليل تحت ضوء قارئ الكتب الالكتروني .
غير أن ما أقرأه في الشاشة الالكترونية يبدو مضللاً أحياناً ؛ فعندما أعود لأسترجع ما قرأته ، أجدُ بأن النص قليل الشفافية في عقلي التصوري، وكأن عقلي يستوعبُ بشكلٍ أفضل ما يُكتب على الورق ؛ فيبدو أنه لا يُخزن عنصر الصور الصغيرة الموجودة في الشاشات الالكترونية، وكثيراً ما أتساءل عن السبب.
التفسير المتعارف عليه لذلك هو أن أجهزة الانترنت تُعزِز تشتت الفكر وشرود الذهن أو ربما أن عقلي ذو أواخر الثلاثين عاماً لم يُفطَر على العالم الرقمي الحقيقي ؛ أي أنه ليس معتادآ على الشاشات الالكترونية منذ الطفولة. ومع ذلك، يُخالجني الشعور ذاته عندما أقرأ صفحة الكترونية غير متصلة بالانترنت بحيث لايستطيع موقع التواصل الاجتماعي (تويتر) أو أية مدونة الكترونية متصلة بالإنترنت إشغالي عن قراءتها ، و أياً كانت الإجابة ، فالقضية ليست متعلقة بعادةٍ للقراءة فحسب؛ فقد أنحى تفسيرٌ آخر- نُشر ضمن مقال في صحيفة واشنطن بوست حول أسباب تراجع معدل القراءة العميقة – باللائمةِ على التغيير الكبير الحاصل في نمط حياتنا ؛ إذ أضحينا جميعاً متعددي المهام ومشتتي الانتباه ، فأصبحت أذهاننا تفقد القدرة على التركيز في النصوص ذات الأسطر الطويلة.
وربما حان الوقت لنبدأ في التفكير في الكتب الورقية والشاشات الالكترونية بطريقة أخرى وليس بوصفهما “تقنية قديمة وبديلها الذي لاغنى عنه” ، بل بوصفهما واجهتين مختلفتين ومكملتين لبعضهما ؛ إذ أن كل واحدة منهما تشجع على طريقة معينة في التفكير، وقد يكون الورق “تقنية” استثنائية تصلح لاستيعاب الروايات الأدبية والمقالات والقصص المعقدة تماماً مثلما تصلح الشاشات الالكترونية للتصفح والقراءة السريعة.
وتقول آن مانغن- أستاذة محو الأمية بجامعة ستافانغر بالنرويج – : ” القراءة هي تفاعل إنساسي إلكتروني ، لكن ربما تُكسِبُ قابلية الورق للمس وديمومته الطبيعية القارئ تجربةً عاطفية ومعرفية مختلفة ، وينطبق هذا بشكل خاص على النصوص التي تتطلب تركيزا مستمرآ ولا يمكن قراءتها على مقاطع أو بشكل سريع .”
وتدرس مانغن بالتعاون مع مجموعة صغيرة من الباحثين طريقة قراءة الأشخاص لما يُعرض في مختلف وسائل الإعلام ، إذ إن الناس يميلون إلى القراءة ببطء وبشكل غير دقيق نوعآ ما من شاشات العرض الالكترونية المبكرة ، غير أن المجال التقني قد تطور بشكل جذري ، لاسيما فيما يخص الكتب الألكترونية ، للحد الذي ماعادت فيه السرعة والدقة مشكلتين تؤرقان القارئ، بل ثمة مواضيع أكثر عمقا متعلقة بالتذكر والفهم والاستيعاب والتي لم يتم حسمها جيدا بعد.
وإذا ما أردنا الغوص في القصة العلمية ، فهناك أنواعٌ كثيرةٌ للقراءة ،غير أن جُلَ التجارب التي أُجريت حتى الآن تنطوي على فقرات قصيرة يقرأها الطلاب في بيئة أكاديمية ، ولم تجد بعض الدراسات التي أجريت أية اختلافاتٍ واضحة بين القراءة من الورق والقراءة من الشاشة الالكترونية في هذا النوع من القراءة ، كما لم يجرِ أحد بعد تجربةً أوسع بحيث تشتمل على آلاف القراء يتم متابعتهم تحت ظروف حقيقية لعدة سنوات اعتماداً على مجموعة من المقاييس المعرفية والنفسية مما قد يلقي ذلك الضوء على المسألة أكثر ويساهم في الحصول على استنتاجاتٍ أدق.
وفي غضون ذلك ،تشير بحوث أخرى إلى وجود اختلافات محتملة ؛ فقد توصلت دراسة أجريت في عام 2004 إلى أن الطلاب يتذكرون بشكل كامل ما يقرأونه من الورق ، وكانت هذه النتائج قد تكررت في تجربة بحثت بشكل دقيق في فعالية الكتب الورقية ، وأخرى اجراها إريك واستولاند من جامعة كارلستاد في السويد التي لاحظ من خلالها ارتفاع مستوى أداء الطلاب التعليمي عند قراءتهم لدروسهم من الكتب الورقية مقارنة مع قراءتهم لها من الكتب الالكترونية.
وأتبع واستولاند تلك الدراسة بدراسة أخرى أعدت للبحث في فعالية القراءة من الشاشة الالكترونية بتفصيل اكثر؛ حيث قدم للطلاب مجموعة متنوعة من مستندات إلكترونية ، فوجد أن العامل الأكثر تأثيراً على مستوى قراءاتهم كان ما إذا كان بإمكانهم رؤية صفحات بأكملها؛ فعندما كان عليهم الانتقال لقراءة بقية النص، ضعُف مستوى أدائهم.
وبحسب واستولاند فإن الانتقال أو التمرير لقراءة الجزء الآتي من النص الالكتروني يؤدي إلى تشتت الذهن ؛ إذ أن محاولة سحب الفأرة أو تمرير الاصبع يتطلب تركيزاً مُهمًا وهو أكبر من التركيز الذي تحتاجه لقلب صفحة ما في كتاب ورقي. كما أن تدفق النص إلى أعلى وأسفل الصفحة يشتت التركيز البصري للقارئ مجبراً العين على البحث عن نقطة بداية جديدة لإعادة التركيز.
ويضيف واستولاند : “الانتقال إلكترونياً من صفحة إلى أخرى يستهلك الكثير من المصادر العقلية التي كان من الممكن بالمقابل استغلالها في فهم النص .” وكتشتت الذهن عند محاولة حفظ رقم هاتف معين ، فإن التوقفات التي يسببها التمرير خلال الصفحة الالكترونية تؤثر على المعلومات المخزنة في الذاكرة قصيرة الأمد – التي تعد الركيزة الاساسية لمعالجة المعلومات والقاعدة الرئيسية للذاكرة طويلة الأمد – مما يؤثر بدوره على الفهم والمعرفة والإدراك.
ومنذ تجارب واستولاند التي انتهت في عام 2005 تغيرت القراءة الالكترونية قليلاً ؛ حيث تركت الكثير من التطبيقات خاصية تمرير الصفحات واستبدلتها بخاصية محاكاة تقليب صفحات الكتاب ، أبرزها: “أمازون كيندل” وهو نظام برامج وأجهزة وضعه موقع أمازون لقراءة الكتب الالكترونية وغيرها من الوسائط الرقمية.
غير أن مانغن في دراستها على المراهقين النرويجيين في عام 2013 توصلت إلى أنهم يفهمون النصوص بصورة أعمق عند قراءتهم لها من الورق كما يوافقها واستولاند الذي يرى بأن القراءة الالكترونية قد تفشل في التقاط الجانب المهم والمهمَل عمومآ في الكتب الورقية وهو طبيعتها الفيزيائية ؛ أي كونها لمسية.
ولهذا فإن ملمس الصفحات تحت أطراف أصابع القارئ ليس محض طراز قديم، بل مصدر ثري للمعلومات يُعرِّف القارئ لاإرادياً بموقعه في نص ما ؛ حيث يقول خبراء القراءة بأن شعور القارئ بمكانته في النص الذي يقرأه مهم جدآ ، بيد أنه يقدم شيئا يشبه المنصة المفاهيمية تُرتَب فيها المعلومات والذاكرة بشكل تلقائي، وتصبح هذه المنصة أقوى عندما تُبنى من نماذج بصرية ولمسية معآ.
وتقول مارلين ياجر-آدمز وهي خبيرة في مجال علم النفس المعرفي ومحو الأمية في جامعة براون- : “كل هذه العوامل البسيطة كشكل الصفحة وملمس الكتاب تساعدك على بناء مكانتك في النص وهو ما تفتقر إليه الألواح الكترونية و ألواح كيندل.”
إذ تتميز الواجهات الالكترونية بوجود أشرطة تقدم رمزية أو أشرطة النسبة المئوية المتبقية ولكنها مجرد مؤثرات بصرية وليست لمسية. كما تظهر الصفحات فيها بصورة فردية وليست زوجية ، أي أن هناك تقييد على التمثيل المكاني للصفحات في الواجهات الالكترونية ، بمعنى آخر تحتوي الكتب الالكترونية والألواح الرقمية في الواقع على صفحة واحدة فقط يجري إعادة كتابتها باستمرار بخلاف الكتب الورقية التي تظهر فيها الصفحات منفصلة .
بينما تتيح الكتب الورقية وضع مختلف انواع الملاحظات والحواشي ، كرسم الخطوط أوطي طرف الصفحة أو وضع ملاحظات هامشية والتي يعدها الكثير من الناس مصدر مكمّلاً للقراءة العميقة ، وقد تتيح برامج القراءة الالكترونية للقارئ وضع الملاحظات والحواشي ولكن العملية أقل لمسية من تلك التي تتميز بها الكتب الورقية ؛ إذ يرى الباحثون أن لمسية الملاحظات والحواشي مهمة جدآ؛ فقد أظهرت الدراسات وجود علاقة وثيقة بينها وبين المعرفة والإدراك بالرغم من أن هذه الملاحظات لم تُدرس بشكل مفصل في سياق القراءة ولكنها تعد جزءا هاما في الكتابة التي تنطوي بالمثل على بناء نماذج عقلية للنص2.
وتقول جوديث طومسون -أستاذة العلوم الإدراكية بجامعة شيفيلد بالمملكة المتحدة- : ” وخصوصا لاولئك الذين يقرأون الكتب التقليدية بكثرة أمثالنا فإننا نستخدم الصفحات الورقية بوصفها مرساةً للفهم العميق.” و تذهب طومسون إلى أن الاستيعاب القرائي يأتي على ثلاثة مستويات هي : الكلمات، والجمل المفردة- التي ينبغي أن يكون فيها الاستيعاب القرائي متساويآ في الحالتين (الكتب الورقية والالكترونية)- ، ومن ثمّ الهيكل أو البنية السردية الاكبر التي تبنيها هذه الجمل.
ووضع هذه البنية في الاعتبار يتيح فهماً أكثر ثراءً للنصوص جاعلا الموضوع وحبل الأفكار أكثر وضوحا ولكثير من الناس يتحقق هذا الامر بصورة أسهل عند القراءة من الورق، وتضيف : ” تزيل الكتب الالكترونية هذه الدعامة الاستيعابية الى حد ما ، وهذا برأيي له تأثيرات كبيرة على كثير من الناس ، على الاقل إلى حين يتمكن نظام القراءة لديهم من التكيف مع طبيعتها” .
وتوافقها ياجر-آدمز مضيفة : “ومالم يتم حل تلك المشاكل ،فأعتقد بان كثيراً من الناس سيواجهون صعوبة في قراءة النصوص الطويلة والمعقدة على الألواح الرقمية أو ألواح كيندل “.
ومن هنا يتبين أن الكثير من هذه البحوث تتفق مع تجربتي ولكن العلم أبعد مايكون ثابتآ ؛ فقد توصلت دراسة قامت بها سارا مارغولين – عالمة نفس من جامعة بروك بورت في الولايات المتحدة- إلى عدم وجود أية اختلافات في الاستيعاب القرائي لدى الطلاب سواء تمت القراءة من الكتب الورقية أو شاشة الكمبيوتر أو القارئ الالكتروني . وتضيف سارا : ” هي في الحقيقية مسألة تفضيل لا أكثر”
ولم تتوصل دراسة أخرى أجريت حول موضوع استخدام الطلاب للكتب الورقية والكتب الالكترونية إلى وجود اختلافات جوهرية في القراءة بين الجانبين. ولبعض القراء- كاولئك الذين يعانون من اضطراب القراءة ويفضلون التركيز في أجزاء صغيرة من نص ما- وجدت طومسون بأن القارئ الالكتروني قد يتفوق بالفعل على الكتب الورقية بالنسبة لهم.
وتبقى هناك الكثير من التساؤلات في الأذهان؛ فإذا كانت قراءة نصوص قصيرة في شاشة الكترونية أو من الورق هي مجرد مسألة تفضيل ، فهل تنطبق المسألة ذاتها على القراءة العميقة؟ وهل يستطيع مصممو الواجهات إيجاد حلول أفضل لقيود الطبيعة الفيزيائية للشاشات بوصفها أقل قابلية للمس من الورق؟ وهل سيتكيف الناس أخيرا مع القارئ الالكتروني باحثين عن طرق جديدة لبناء هيكل للنص في ظل غياب النماذج اللمسية.
وأخيراً تعتقد ياجر-آدمز أن القراءة العميقة –على الاقل لكثير من الاشخاص – قد تستطيع أن تُثبت بأنها مرتبطة بالشكل الفيزيائي للكتب الورقية، وفي حال ثبُت ذلك فهذا يعني بأنه سيكون لدينا الكثير من الأسباب التي تدفعنا إلى تقدير الكتب الورقية.
كما تدعو مانغن إلى تجنب القول بأن : “القراءة الالكترونية هي الطريقة التي سنقرأ بها في المستقبل على أية حال فلماذا نعارض إذن؟ “؛ ذلك لأن هناك شيئا ما في القراءة العميقة والتفكير العميق يستحق فعلاً بذل الجهد للحفاظ عليه .” وسواء أننا نحتاج للورق لتحقيق ذلك أم لا فالأمر يبقى مرهوناً للمستقبل، ولكن في الوقت الحاضر مازالت تلك الاشجار الميتة تنبض بالكثير من أشكال الحياة!

هوامش :

1_ شركة عالمية متخصصة في صناعة الأثاث وأكبر شركة منتجة للأثاث في العالم، مقرها السويد
2_ هي أسلوب من أساليب المعالجة النفسية وتتكون من سلسلة من التحولات النفسية التي يمكن للفرد من خلالها اكتساب أو ترميز أو تخزين أو استذكار أو فك رموز معلومات عن مواقع نسبية وخواص الظواهر في حياته اليومية أو البيئة المجازية المكانية / (الموسوعة الحرة).

ترجمة: فاطمة بنت سالم العجمية
alajmi.fatma20@gmail.com

إلى الأعلى