الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / المشهد الوطني ومسئوليات المجتمع والدولة

المشهد الوطني ومسئوليات المجتمع والدولة

سعود بن علي الحارثي

” ليس من الحكمة في شيء أن نكتفي فقط بالاتكاء على الانجازات المتحققة وبعض الصور والمشاهد المشرفة والشهادات المنصفة التي تصدر من هنا وهناك بحقنا، إنما تفرض علينا المسئوليات والواجبات الوطنية الواسعة الاضافة عليها وتعزيز الرصيد المتحقق ومنع وصد الثقافات والأفكار والقيم والممارسات والسلوكيات التي تستهدف قيم المجتمع وأخلاقياته واستقراره ومكونه الاجتماعي وتلاحمه الوطني وصورته المضيئة التي بها تبوأنا هذه المكانة…”
ـــــــــــــــــــــــــ
في إطار المناقشات الهادئة وتبادل الآراء التي تتفاعل وتتواصل باستمرار مع أصدقاء وزملاء عمل وغيرهم والتعليق على بعض القرارات والمواقف والممارسات والمستجدات والقضايا المتنوعة ذات العلاقة بالمشهد الوطني بتفاصيله وعناصره وطبيعته ومفرداته ومكوناته الواسعة وعلاقته المباشرة وغير المباشرة بالأطراف الأخرى داخلية كانت أم خارجية، إقليمية وعالمية في مساراتها السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية … وأمام العديد من السلوكيات والمسائل والمشاهد والتعليقات والانطباعات وردات الفعل التي يأتيها ويقوم ويشارك بها البعض أفرادا أم جماعات أم مؤسسات في وطننا العزيز أو خارجه وترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بهذا المشهد وتشكل تحديا ومعوقا وخطرا على المكون العماني بخصائصه وسماته ووحدة كلمته، أو تسعى وتعمل وتطالب بتعزيز الوحدة الوطنية والحفاظ على استقرار هذا الوطن ومكتسباته الكبيرة التي تحققت في عصر النهضة المباركة وتطالب بالاضافة عليه وتتحدث عنه بشيء من المثالية والفخر . وأمام المطالبة كذلك بالاستفادة من دروس الأحداث والتقلبات العميقة التي حدثت في الأوطان العربية ونالت من استقرار وأمن تلك الأوطان واكتوى المواطن بنارها المشتعلة على شكل صراعات وانقسامات داخلية وحروب أهلية طاحنة وتعصبات مذهبية وطائفية مدمرة أتت على الانجازات والمكتسبات السابقة وسفكت دم الأبرياء أنهارا وتوظيفها في خدمة ومصالح الوطن ومجتمعه بالعمل على دراسة الأسباب والنظر في تطورات الأحداث ومساراتها وتشخيص عناصرها واجراء المقارنات الدقيقة والتوصل إلى نتائج وقراءات وخطوات عملية تقينا شر الفتنة وتحمي وطننا من المشاكل والتوترات .. ومع الشهادات الواسعة والانطباعات الطيبة التي تشيد بعمان قيادة وشعبا بفضل سياساتها المتوازنة وثوابتها المدروسة، وجهودها المتواصلة في دعم القضايا العربية والاسلامية وتعزيز قيم الحوار ونشر السلام وعدم التدخل في شئون الدول الأخرى والابتعاد عن التورط في الصراعات الداخلية، والحكمة في التعامل مع الأحداث والأزمات والصراعات والنجاح في تجنيب عمان شرورها ومخاطرها، وفي حجم الانجازات الداخلية التي تحققت، وفي تمسك مجتمعها بالقيم والأخلاق العربية والإسلامية الأصيلة ورقي التعامل العماني مع الآخر في الداخل والخارج، ونبذه في سلوكياته وأفكاره وثقافته لكل أشكال التعصب والمذهبية، وأمراضها الخطيرة والتي أظهرت العماني في مظهر ينم عن الرقي والتحضر والوعي بمخاطر هذه التعصب وانعكاساته والانتصار لقيم التعايش وتغزيز اللحمة الوطنية، في إطار كل ذلك وغيره الكثير، كان السؤال الوحيد والأساسي والذي لم يفارقني ولايزال يطرق مخيلتي يتمثل في دورنا الوطني، من مثقفين وكتاب وأكاديميين وإعلاميين وقيادات مجتمع، علماء ودعاة وشيوخ وأعضاء المجالس المتعددة ومؤسسات المجتمع المحلي ومن في حكمهم في جهود التوعية وتحمل المسئولية المجتمعية والقيام بالواجبات الوطنية التي من شأنها الحفاظ على هذه المكتسبات الداخلية والخارجية وتحصين الوطن من أية تأثيرات وتصرفات طائشة وممارسات غير محسوبة يأتيها البعض، وتوظيف الأحداث والقراءات والمؤشرات المشار إليها في خدمة الوطن وتحقيق مصالحه وتعزيز استقراره ورفعته، والعمل على ضمان تحقيق مستقبل أفضل وأكثر اشراقا وتقدما ورقيا ، وهو ما يجب أن نساهم فيه جميعا مجتمعا وحكومة … إذ ليس من الحكمة في شيء أن نكتفي فقط بالاتكاء على الانجازات المتحققة وبعض الصور والمشاهد المشرفة والشهادات المنصفة التي تصدر من هنا وهناك بحقنا، إنما تفرض علينا المسئوليات والواجبات الوطنية الواسعة الاضافة عليها وتعزيز الرصيد المتحقق ومنع وصد الثقافات والأفكار والقيم والممارسات والسلوكيات التي تستهدف قيم المجتمع وأخلاقياته واستقراره ومكونه الاجتماعي وتلاحمه الوطني وصورته المضيئة التي بها تبوأنا هذه المكانة ونلنا المكاسب وحصلنا على الشهادات القيمة وكنا مضرب المثل في محيطنا الإقليمي والعالمي …. وأن نعمل على دراسة وبحث ومناقشة العديد من السلبيات والممارسات التي يشهدها المجتمع والتي قد تؤثر على الانجاز الوطني وتسيء إلى المكتسبات التي تحدثنا عنها وتضع المستقبل أمام احتمالات ملتبسة، وإعادة صياغة الكثير من المفاهيم في تعاملنا مع الثقافة والتقاليد والقيم المتوارثة والأفكار والسلوكيات والأنماط والمتغيرات التي فرضتها ظروف المرحلة وما تشهده من تطورات شاملة في مختلف المجالات والعمل على ربط وضبط ومزج قيم الحداثة بالأصالة وذلك بما يخدم أهداف التطور والتقدم والرقي ، ويحافظ في الوقت ذاته على أخلاقيات المجتمع وثقافته وتقاليده الأصيلة التي نال عليها تلك الشهادات وجنبته الكثير من الانزلاقات والتوترات والأخطاء القاتلة التي وقعت فيها بعض المجتمعات ، ومن بين تلك الممارسات والتحديات والظواهر والسلوكيات التي تتطلب اعترافا بها وبحثا ومعالجة وجهدا توعويا متكاملا وعملا مكثفا ووضوحا في الرؤية وتعزيز مجالات الحوار ، وتشكل خطرا على المستقبل وتمثل انتكاسة وتراجعا على قيم المجتمع فيما لو تركت وأهملت، تتمثل في النقاط التالية:
ـ الأسلوب الفج والمتعالي في ممارسة النقد والحوار والتعامل مع الآخر، واستغلال حرية التعبير، وتراجع الأخلاقيات بشكل عام بين بعض الشباب، والتي تصل في ممارساتها إلى التجريح والتهور والاتهامات المبالغ فيها دون الاستناد إلى دلائل ومؤشرات وقراءات يمكن الاطمئنان عليها، وتعاظم المنافع الشخصية والمطالبة بحقوق دون مقابل، هذا فضلا عما يشوب قيم العمل وقيادة السيارات وتحمل المسئولية الاجتماعية والالتزام بالأنظمة من استهتار وعدم مبالاة أحيانا، وارتفاع نسب الجريمة بجميع صورها وتعاطي والترويج للمخدرات، وغير ذلك مما يشكل خطرا على استقرار الوطن وأمن مواطنيه ، وذلك بسبب ضعف الوعي وضعف التعليم بشكل عام.
ـ تأثر فئة قليلة ومحدودة للغاية بالخطابات والأفكار والثقافات الخارجية التي تروج لها قنوات ووسائل اعلام متعددة صحفية وتقنية، ومحاولة الارتباط بها وتسويقها، والتي أدت إلى تدمير دول وتفكيك حضارات وسحق شعوب، وهي وان كانت محدودة ولكن لا ينبغي تجاوزها أو الصمت في التعامل معها، وانما استخدام كل السبل والطرق للوقاية منها وتخليص المجتمع من آفاتها.
ـ الأخذ بكل ما يتم تداوله من نصوص ومقاطع على وسائل التواصل وتصديقه ونشره والترويج له من قبل البعض ، بسبب ضعف الوعي وتغييب العقل أو لغايات أخرى ، وهو ما يؤدي إلى نشر الاشاعات والاساءة إلى الوطن أحيانا وإلى الآخرين أفرادا وجماعات وشعوب ودول ومذاهب.
ـ ارتكاب بعض الأخطاء من قبل مؤسسات الدولة في اتخاذ القرارات ورسم السياسات وتنفيذ المشاريع الحيوية وتأخر بعضها، وغياب الشفافية أحيانا، وتدخل الواسطات والمحسوبيات في التعامل مع قضايا وشئون ومعاملات المواطنين وحقوقهم ( استحقاقات الأراضي والمواعيد الطبية) على سبيل المثال، وتوظيف المسئولية والنفوذ في تحقيق المصلحة الشخصية والاثراء والعبث بالمال العام ومقدرات الدولة وتعطيل وتأخير القوانين، وعدم الاستفادة من الدروس والتجارب والخبرات التي تقدمها الأحداث والتطورات، والقراءات الخاطئة، والتراجع في مواقف أو مراحل بعينها عن مكتسبات حرية التعبير وفتح مجالات التحاور والنقاش مع المجتمع … وهو ما يؤدي الى الاحباط واتساع دائرة الفساد وصوره المتعددة وضعف الثقة بين المواطن والحكومة والشعور بالغبن والتمييز وترسيخ ثقافة تتعارض مع الثوابت وتؤثر سلبا على المكاسب والانجازات التي تحققت، مع امكانية استغلال ذلك من قبل أطراف داخلية وخارجية.
ـ اتخاذ شعار الوطنية ستارا وأداة ووسيلة من قبل البعض وهم قلة على كل حال، والتزلف والترويج لأنفسهم بغرض الانتفاع، أو تغطية وتمويها لبعض التصرفات غير المسئولة، أوبغير وعي وادراك أحيانا وربطها بثقافة المديح والاشادة، والاعتقاد أو الايحاء بتعارضها ـ أي الوطنية ـ مع ثقافة النقد البناء والرأي الآخر، وتشكيكهم في وطنية الآخر واتهامه عندما يمارس حقه في النقد الموضوعي والرقابة الفردية وطرح آرائه بشفافية ووضوح والاسهام والمبادرة في تقديم المشورة التي تتعارض أحيانا مع بعض القرارات والممارسات والسياسات الحكومية والمطالبة بتفعيل وتعزيز دور المؤسسات الرقابية والتشريعية وغير ذلك من القضايا الوطنية، فتنعكس الآية ويختل التوازن، فتجرد من الوطني وطنيته والعكس صحيح، مع أن الحقيقة قد تكون مغايرة تماما فقد يكون هذا المواطن الذي رفع راية النقد والمبادرة وثقافة الشفافية هو الأكثر وطنية وحبا للسلطان واستعدادا للتضحية من أجلهما.
ـ التعامل مع بعض المسائل ذات العلاقة بالدين والقيم الاجتماعية والأنماط والأعراف السائدة وغيرها بعاطفة وحساسية وتخوف تراكم عبر السنوات الماضية، أوالسكوت عنها أحيانا وعدم المبادرة إلى معالجتها والتعامل معها بشفافية ووضوح واخضاعها للبحث والمناقشة والحوار المباشر، والسعي من ثم إلى تطوير مفاهيمها وممارساتها والنظر إليها من منطلق التغيرات الواسعة التي يشهدها المجتمع وحداثة الدولة ومؤسساتها وبما يتفق مع تطلعات المواطن ويخدم المصلحة العامة ويسهم في تعزيز الروح الوطنية والتمسك بالقيم والتلاحم الشعبي حول القيادة … مثل مسألة الهلال والمشيخة اللتين أثارتا ومازالتا الكثير من الجدل والانقسام، والنعرة القبلية وتجسيد الفوارق الاجتماعية في بعض المناطق والمساعدات التي تقدمها بعض المؤسسات والتي تذهب في الكثير منها إلى غير مستحقيها، وذلك على سبيل المثال لا الحصر.
ـ ضعف المبادرات المجتمعية والقيام بتحمل المسئوليات الوطنية من قبل الأفراد والجماعات خاصة المعول عليهم والقادرين على التأثير من الأثرياء والمثقفين والأكاديميين وقيادات المجتمع وشيوخ القبائل ومؤسسات المجتمع المدني … الذين ما زالوا يعولون على الحكومة ويعتمدون عليها في القيام بكل شيء .. فما زالت المساهمات المالية الداعمة لمؤسسات المجتمع المدني والجمعيات والمبادرات والمشاريع الاجتماعية والثقافية ونشر الوعي وتنشيط بعض القطاعات المهمة والتي تساعد الشباب والأسر على تجاوز الكثير من العقبات المرتبطة بالتعليم والزواج وتوفير فرص العمل وتحسين المعيشة والمساهمة في توفير المسكن الملائم وخدمة المجتمع المحلي . وكذلك هو الأمر بالنسبة للأفكار القيمة والمبادرات الجماعية التي من شأنها تعزيز المكتسبات والحفاظ على الانجازات ودعم قيم التلاحم بين مكونات المجتمع والشعور بهموم الآخرين ومشاكلهم والنزول إلى مستوى تفكيرهم ومشاركتهم تلك الهموم .. مع أننا ندرك بأن كل مساهمة في هذا المجال ماديا أو معنويا وكل جهد مبذول ومبادرة مقدمة تعزز من استقرار الوطن وتؤمن مستقبلا أفضل وتعزز كذلك قيم التعاون والثقة والتآلف والتكاتف والتلاحم بين مكونات المجتمع وهو مما يعود بالمنافع والمصالح على الجميع وطنا ومواطنا وحكومة .
ـ غياب المراكز البحثية والدراسات المتخصصة والمؤسسات الاكاديمية ومخصصاتها المالية ، والتي تعنى بإجراء الدراسات وتقديم المؤشرات وتحليل البيانات والقراءات وتقديم العلاجات والحلول حول قضايا المجتمع والعوامل التي يتأثر بها والأنماط والسلوكيات الدخيلة عليه وانعكاسات وسائل وأدوات التواصل وغيرها من المسائل ذات العلاقة ، مع ادراكنا بأهمية هذه الدراسات ودورها في معالجة العديد من المشكلات والتحديات أو تجنب وقوعها …
ـ التعامل مع العديد من المشكلات والتحديات الاقتصادية والاجتماعية والادارية بعقد الندوات وتشكيل اللجان والتعاقد مع الخبراء العالميين لاجراء الدراسات وتقديم التوصيات ، دون أن يرافق ذلك خطوات عملية تبتغي تنفيذ التوصيات ونتائج الدراسات التي تم التوصل إليها ، وهو ما كلفنا الكثير من الأموال والجهود وتأخر النتائج العملية لسنوات . ومما يلاحظ في هذا الأمر تكرار عقد الندوات في ذات الموضوع ومعها تتكرر الدراسات والمحاور والمناقشات والوصول بعد ذلك إلى نفس التوصيات والبرامج والسياسات ، لذلك نجد أن سياسات وقضايا التعليم والتوظيف والتدريب وتنويع مصادر الدخل وسوق العمل والتجارة المستترة وآليات استقدام العمالة الأجنبية يشوبها الكثير من القرارات الملتبسة والتخبط والتراجع أحيانا وتفاقم المشاكل وضعف المخرجات …
كل هذه القضايا الوطنية وغيرها الكثير تشكل تحديات مستقبلية وقنبلة موقوتة تربك المشهد الوطني وتؤثر على اللحمة الوطنية ، فيما لو استمرت دون حلول واقعية وعلاجات مستقبلية ، ولن يتأتى ذلك ويجد النجاح إلا بتعاون ومشاركة ومساهمة الجميع : الحكومة ، مجلس عمان ، القطاع الخاص ، المجتمع ، مؤسسات المجتمع المحلي … خاصة وأن كل قطاع من تلك القطاعات تتحمل المسئولية وكانت وما زالت طرفا مباشرا أو غير مباشر في حدوث تلك المشاكل والتحديات وقادرة كل فيما يخصه وبحسب موقعه والتأثير الذي يحدثه على ، تفعيل التنسيق والتعاون وتعزيز الحوار المثمر ، طرح الأفكار والمبادرات والمرئيات والبدائل ، تقديم الدعمين المادي والمعنوي ، إعداد الدراسات وتحليل البيانات وتشخيص الأسباب، التغلب على السلوكيات والأنماط والثقافات الدخيلة والمسيئة إلى قيم المجتمع، تعظيم المصالح العامة، المساهمة في الدور التوعوي بمضامينه الوطنية المتعددة.

إلى الأعلى