الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : الأقصى يستغيث فهل من مغيث؟

شراع : الأقصى يستغيث فهل من مغيث؟

خميس التوبي

بينما تتوسع دائرة العدوان وجرائم الحرب والانتهاكات التي يرتكبها كيان الاحتلال الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني والمقدسات الإسلامية في مدينة القدس المحتلة والحرم القدسي وفي الضفة الغربية، تضيق دائرة المناورة السياسية وقوة القرار لدى السلطة الوطنية الفلسطينية، وذلك لحالة الارتهان للأمر الواقع الذي سار عليه نهج السلطة منذ توقيع اتفاقية أوسلو بمجرد سماع وعود هلامية من الراعي الأميركي لعملية السلام.
لقد اعتاد بعض الفلسطينيين الركون إلى ما يقدمه الراعي الأميركي من فتات وعود بلا لحم، وما يدَّعيه من عزم على استئناف المفاوضات أو التقدم بمبادرة تخدير على غرار مبادرة خريطة الطريق ورؤية “حل الدولتين”؛ فالأولى ظل الفلسطينيون يغدون ويروحون ردحًا من الزمن على وقع الرطانة الأميركية حولها، متوهمين أن هذه الخريطة ستقدم لهم الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس على طبق أميركي من ذهب، إلى أن جاءت رسالة الضمانات من الرئيس الأميركي السابق جورج بوش “الصغير” إلى مجرم الحرب أرييل شارون، لتضع حدًّا للأوهام والأحلام الفلسطينية، فالرسالة في مضمونها لا تقل عن وعد بلفور، بل إنهما في الهدف والنتيجة وجهان لعملة واحدة من حيث “تمليك ما لا يملك لمن لا يستحق”.
أما الثانية (أي رؤية حل الدولتين) فإنه على الرغم من عدم رغبة هؤلاء الفلسطينيين تعلم الدرس من الأولى، فلا يزالون يراهنون على سمك في البحر، وطيور في السماء، وهبها لهم الرئيس الأميركي الحالي باراك أوباما تحت عنوان “دولتان تعيشان جنبًا إلى جنب بسلام”؛ حيث أثبت التحرك الأميركي على جميع مسارات الرؤية الأوبامية أن التحرك يسير في الاتجاه المعاكس، أي باتجاه “حل الدولة الواحدة” وهي الدولة “اليهودية” المتكونة والمعششة أوهامًا وأحلامًا في أذهان المحتلين الصهاينة، بدءًا مما سمي بـ”وقف الاستيطان” إلى “تجميده” ثم الدوس على آلة الاستيطان بأقصى سرعتها لتلتهم آلاف الدونمات من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية بالتوازي مع التهويد الممنهج لمدينة القدس بأكملها والتدنيس الممنهج أيضًا للمسجد الأقصى واستباحة حرمته، وتقسيمه زمنيًّا وجارٍ تقسيمه مكانيًّا، وجارٍ أيضًا الإعداد لهدمه بعدما بات يفترش عشرات الحفريات المهددة لانهياره لإقامة الهيكل التلمودي المزعوم على أنقاضه، كما أقيم كيان الاحتلال الصهيوني على أنقاض فلسطين التاريخية. وواضح أن العقل الصهيوني يرى أن اكتمال الوهم التلمودي بما يسمى “يهودية الدولة” لن يتم إلا بتهويد القدس وطمس مقدساتها وكل ما يمت بصلة إلى هويتها العربية والإسلامية وفي مقدمة ذلك المسجد الأقصى.
والأوضح أيضًا، هو أن كيان الاحتلال الصهيوني يسابق الزمن لتحقيق وهمه التلمودي استغلالًا لراهن “الخريف العربي” الذي أعدت أرضيته الصهيونية بتعاون ملحوظ وغير مسبوق من حلفاء كيان الاحتلال الاستراتيجيين الغربيين، ومن عملائه ووكلائه المحسوبين على العروبة والإسلام على النحو المشاهد الآن في قيام عصابات إرهابية تم تجميعها من داخل المنطقة وخارجها أُلْبِست لباس الإسلام زورًا وكذبًا وتتحالف مع الصهيو ـ غربي والصهيو ـ إقليمي تحالفًا عضويًّا بتدمير الدول القوية والممانعة والرافضة لكيان الاحتلال الصهيوني وممارساته وجرائمه، وداعمة للمشروع الوطني التحرري والمقاومة ضد الاحتلال الصهيوني، وبالتالي هناك تكامل واضح بين التيارين الإرهابيين (الصهيوني والمحسوب على العروبة والإسلام) يلتقي في النتائج والأهداف بتصفية القدس أو بالأحرى أرض فلسطين من أي وجود عربي ـ إسلامي، ومن أي هوية عربية وإسلامية، وبتدمير الدول العربية القوية وإضعافها واستنزافها. ولذلك ليس هناك ما يثير الدهشة أن ترفرف رايات تلك العصابات الإرهابية على مختلف مسمياتها وتشكيلاتها جنبًا إلى جنب مع علم كيان الاحتلال الصهيوني، ولا عجب أن يقيم الصهاينة مستشفياتهم الميدانية ويفتحوا مستشفياتهم الكبرى لعلاج إرهابيي تلك العصابات وإرجاعهم إلى الأراضي العربية السورية والعراقية واللبنانية لمواصلة إرهابهم بحق شعوبها وتجريفها من كل شيء.
وعلى الرغم من هذه الحقيقة، فإن المتاجرين بالقضية الفلسطينية لا يتورعون ولا يستحون حتى من مجرد الحديث عنها، فهناك من المتاجرين من ينتقد الصمت الدولي إزاء الانتهاكات والممارسات الصهيونية بحق المسجد الأقصى، معطيًا مقارنة بالاحترام الذي تحظى به الكنائس والأديرة والمعابد في الدول العربية والإسلامية، وماذا لو تعرضت لانتهاك غير متعمد على سبيل المثال، ماذا كانت ردة الفعل؟ ويأتي هذا الانتقاد في الوقت الذي يقيم فيه هؤلاء المتاجرون علاقات صداقة وحلف سرية وعلنية مع الصهاينة المحتلين العابثين بالحرم القدسي والمغتصبين للحق الفلسطيني، ويتبادلون معهم المعلومات الأمنية ويقيمون معهم المناورات العسكرية، ويحتضنون ويدعمون العصابات الإرهابية المخربة والمدمرة من أجل خدمة كيان الاحتلال الصهيوني. ويشكل هذا الانتقاد التجاري امتدادًا لعقود تجارية سابقة تمثلت في الجعجعة الإعلامية بفك الحصار عن قطاع غزة والعزم على تسيير السفن الحربية لفك الحصار بالقوة، وغير ذلك من المسرحيات الهزلية كمسرحية منتدى دافوس الشهيرة لتغطية عقود المتاجرة في الباطن.

إلى الأعلى