الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين .. الثالثة : الاقتصاد وتحدياته السياسية.. في قمة مجالس الأجندة العالمية

العين .. الثالثة : الاقتصاد وتحدياته السياسية.. في قمة مجالس الأجندة العالمية

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

منذ الوهلة الأولى، اكتشفنا أن هناك إقصاءات واضحة ومتعمدة للسياسة في قمم مجالس الأجندة العالمية سواء السبع السابقة أو الأخيرة التي اختتمت يوم الأربعاء الماضي في دبي، فقد كان جل همها التركيز على الاقتصاد، وهذه يعني أن هذه القمم تركز على التداعيات دون الأفعال المولدة لها والتي نجدها دائما في السياسة، وقد كان ذلك محط تساؤلاتنا منذ المؤتمر الصحفي الثاني لهذه القمة، فقد لاحظنا أنها لا تبحث عن حل جذري للتداعيات وإنما معالجتها بحلول من منظور اقتصادي بحت دون الاصطدام بالجانب السياسي، ولو استمرت قممها على هذا المنوال، فإن التداعيات ستتوالى وستتراكم سنويا، وذلك لعدم مقدرة الأنظمة على حلها كلها، فلو تمكنت الأنظمة فعلا، لما برز للقمة السابعة مشكلة،، نقص القيادة،، واحتلالها المرتبة الثالثة بعد عدم المساواة في الدخل وزيادة اعداد الباحثين، لا يمكن أبدا اغفال الجانب السياسي المولد للمشاكل خاصة تلك التي تمس حياة الناس.
ولو تمعنا قليلا في كل القضايا العشر التي تنبأت القمة بانفجارها عام 2015، سوف نجدها مرتبطة،، وجوديا،، بقضية نقص أو غياب القيادة،، وهذا جانب سياسي بالدرجة الأولى، فلماذا يقصى من القمم كلها حتى الآن؟ قد نتفهم اقصاء الجانب السياسي عن قمم مجالس الأجندة العالمية وذلك لارتباطها بالمنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس بسويسرا، فهذا المنتدى ورغم بعده الاقتصادي الخالص الا أنه عليه أن ينفتح على مفجر المشاكل والقضايا، والأهم هنا، أن قيادات دول المنطقة لا تعلم بأن اصل مشاكلها تكمن في عدم اهلية فاعليها وفي حالات كثيرة تظهر الإشكالية في الشرعية؟ إذن، ماذا يستوجب عليها فعله الآن في هذه المرحلة الانتقالية؟ تساؤل مهم ينبغي على كل نظام سياسي أن يطرحه على نفسه، فالمرحلة الراهنة وتحولاتها ومتغيراتها المقبلة لن تعترف بالجمود ولا بالحلول المؤقتة،، المسكنة،، بديلا عن التطور والحلول الدائمة، بدليل، أن القضايا العشر التي تناولناها في مقالنا السابق،، قمة مجالس الاجندة العالمية 2014،، التي تهدد العالم بما فيها منطقتنا الخليجية هى نفسها التي فجرت احداث 2011، وهي نفسها تدق ناقوس الخطر في عام 2015، رغم ما تزعمه الأنظمة أنها قد قدمت حلولا موضوعية، لكنها لم تكن سوى حلول مؤقتة، والا ، فلماذا تحذر قمة مجالس الأجندة العالمية لعام 2014 من انفجارها الآن على المدى القصير؟ وهنا علينا أن نضيف بعدا جديدا مكتشفا في هذه القمة ، وهو فقدان سيطرة الحكومات على المجتمع على عكس ما كان في الماضي، مما سوف يبرز المجتمع اقوى من الحكومات، لأسباب عديدة، ابرزها ما ذكره مسئول معهد الدراسات الامنية في جنوب إفريقيا الذي أرجعه الى غياب القيادة مما تقوت معه قوى جديدة شرعية كالنقابات والهيئات وغير الحكومية شرعية وغير شرعية (….) وقد رأى في هذه الأخيرة أنها قد أصبحت تضم مجموعات ارهابية، فكيف يبدو لنا المشهد في ظل غياب أو نقص القيادة، هذا ليس على الصعيد الداخلي لكل دولة وإنما كذلك على صعيد النظام العالمي الحالي؟ يظهر لنا المشهد أن الدول تسير في هذه المرحلة الانتقالية كالسفينة التي تعبر عباب البحار الهائجة دون ربان ماهر، فهل يمكن أن يقود راكبوها السفينة؟ أو هل سوف يتمكنون من تنظيم وإدارة مجتمعهم الداخلي في مثل هذه الظروف؟ هذا تشبيه بسيط للاستدلال به لتقريب الفهم، والتأكيد على ضرورة وجود قيادات ماهرة ومتخصصة لهذه السفينة في مثل هذه الظروف القاهرة، والا سيكون الغرق،، تصوريا،، أقرب من النجاة، والفوضى الشاملة داخل السفينة أبعد من اية سيطرة عقلانية، فهل وصلت الأنظمة إلى أية مستويات تقريبية من وضع السفينة؟ إذا تردي ضعف القيادة وقفز من المرتبة السابعة عام 2013 إلى المرتبة الثالثة عام 2015، وفق تحليلات (1800) خبير، وإذا كانت قضايا الباحثين عن عمل وعدم المساواة في الدخول قد تصدرا قائمة القضايا، وهنا لما فتحنا نافذة صغيرة على دول معينة ماذا وجدنا؟ اكتشفنا في احداها (5) اشخاص فقط يستحوذون على الثروة فيها، بل إن حركة الأموال ترجع في نهاية دورانها الداخلي إلى جيوبهم، وقد نجد العدد يزيد قليلا أو كثير في بقية الدول، ويلجأ بعض مواطنيها إلى محاربة الفقر ببيع قيمهم واخلاقهم .. والإعداد سوف تتزايد .. واذا كانت الطائفية وتصاعد النزعة القومية قد أصبحتا مهددتين لتقسم دول على أسس مذهبية وقومية .. فهذه الصور تقربنا كثيرا من الإجابة على التساؤل سالف الذكر، وكل تلك الصور تستبعد وجود ربابنة مهرة يقودون تلك السفن، إذن لم تعد الحكومات قادرة على تسيير السفن في الظروف الراهنة، وماذا ترتب على ذلك؟ ترتب فقدان الثقة بين الحكومات وشعوبها، وهذا ما أكده كذلك مسئول معهد الدراسات الأمنية في جنوب إفريقيا، والسبب يرجعه إلى تعثر برامج الحكومات وعدم مقدرتها على حل القضايا، .. وعلى المستوى العالمي تظهر لنا غياب القيادة في عدم قدرة النظام العالمي على منع وقوع الأزمات والتوترات أو وقفها فترتب عليها مجموعات أزمات إنسانية، كالمجازر والمذابح البشرية وقضية اللاجئين، مثل وجود (4) ملايين لاجئ في سوريا والعراق دون حقوق إنسانية، فماذا يعني لنا ذلك؟ يعني أنه من الطبيعي أن تراوح تلك القضايا مكانها اي دون حل بل وتتفاقم، وقد تنفجر ما لم يتم إصلاح القيادة وتأهليها لكي تكون في مستوى الإكراهات.
إذن، لا يمكن حل التداعيات الاقتصادية والاجتماعية من اساسها ما لم نحل اسبابها السياسية، وقد دافعنا عن هذه الرؤية بقوة منذ ثاني المؤتمرات الصحفية، ولم نلقى الردود الكافية والشافية عليها من قبل كبار قادة مجالس الأجندة العالمية مما اثار ذلك تساؤلاتنا حول الأسباب، وهل يمكن أن تكون هذه القمة قد خطت لنفسها خط أحمر في عدم الخوض في السياسة؟ ربما كان علينا الانتظار حتى وقت الاختتام، ففيه تم الكشف عن إنشاء لجنة عالمية جديدة للمفكرين تضم (25) شخصية تترأس مجالس عالمية مختلفة، ستكون مهمتها مساعدة الأجندة العالمية لفهم ما يجري في العالم، وقد نجد فيها المبتغى، لأننا لمسنا من خلالها وعي عالمي جديد، قلنا عنه في آخر المؤتمرات الصحفية بأنه قد جاء متأخرا رغم خطوة اللجنة الإيجابية إذا ما سارت نحو البحث عن الكثير من الحلول في الجانب السياسي، كما أن الأنظمة أكثر حاجة الآن إلى من يساعدها على بناء الجسور مع شعوبها عبر تقديم الرؤى والأفكار التي تساعدها في هذه المرحلة الانتقالية، أفكار محايدة وغير مسيسة حتى لا تجد نفسها في صدامات جديدة مع شعوبها، فهل فكرة تداخل السياسة مع الاقتصاد قد أصبحت فكرة مقبولة من قبل المنتدى الاقتصادي العالمي؟ وذلك على اعتبار أن قادة الفكر في العالم أكثر ارتباطا بشبكة المنتدى الاقتصادي، وإذا لم تتناغم لجنة المفكرين الجديدة مع المرحلة الجديدة بانكشافاتها سالفة الذكر، فإن شعوبنا سوف تنقل غضبها من العولمة وتطبيقاتها المتوحشة داخل بلدانها من الفكر إلى التطبيق، وسوف تزلزل القضايا العشر ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي اركان انظمة بصورة متباينة، لأن كل شيء يسير إلى الأسوأ بشهادة خبراء القمة، وكراهية الشعوب للعولمة قد وصلت إلى الأسوأ بشهادة القمة كذلك، فهل سيسارع مفكري العالم إلى استدراك الاختلالات البنيوية في الأنظمة الوطنية والإقليمية والعالمية قبل ان الدخول في مرحلة جديدة من الفوضى الشاملة ؟ للتغطية جزء ثالث.

إلى الأعلى