السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الحرب على الإرهاب (2) إعلام يخدم التفخيخ

الحرب على الإرهاب (2) إعلام يخدم التفخيخ

هيثم العايدي

”.. ما يهم الارهابي من اعلان مسؤوليته عن العمل الذي ارتكبه هو ابراز ان له قضية وهدفا يحاول التسويق لمشروعيته مع ابراز مدى قوته وقدرته الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى اجتذاب التأييد والتعاطف الجماهيري من جهة، وشحن هذه الجماهير ضد من يعتبرهم أعداء القضية من جهة ثانية والذين في الغالب يكونون النظام الحاكم في الدولة ومؤسساتها خاصة قوات الجيش والشرطة بها. ”
ـــــــــــــــــــــــ
إذا كانت السيارات المفخخة والأحزمة الناسفة هي العلامة المميزة والحصرية للعمليات الارهابية فهذه المفخخات لا قيمة لها دون أن يكون لها توظيف اعلامي يضعه الارهابي نصب عينيه قبل اقدامه على تفجير المفخخة سواء كان بقيادتها أو بتفجيرها عن بعد.
فالمتتبع للعمليات الارهابية يجد أن أكبر ثمرة لها تكون في شريط فيديو تبثه مواقع الكترونية يعلن فيه أحد الملثمين عن مسؤولية جماعته عن هذه العملية متوعدا بالمزيد وواعدا بخرافات كالسيادة على العالم وغيرها من الشعارات التي تسوقها هذه الجماعات.
وما يهم الارهابي من اعلان مسؤوليته عن العمل الذي ارتكبه هو ابراز ان له قضية وهدفا يحاول التسويق لمشروعيته مع ابراز مدى قوته وقدرته الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى اجتذاب التأييد والتعاطف الجماهيري من جهة، وشحن هذه الجماهير ضد من يعتبرهم أعداء القضية من جهة ثانية والذين في الغالب يكونون النظام الحاكم في الدولة ومؤسساتها خاصة قوات الجيش والشرطة بها.
واذا كانت وسائل الاعلام الناطقة باسم الجماعات الارهابية لا تتعدى أن تكون موقعا الكترونيا كموقع (السحاب) الذي دأب على بث أشرطة فيديو لتنظيم القاعدة قبل ظهور مواقع التواصل الاجتماعي التي اتخذها ارهابيو داعش لسانا ناطقا لهم الا أن هذه الجماعات الارهابية تجد مساحات مجانية في وسائل الإعلام التقليدي المتمثلة في الصحافة والاذاعة والتلفزيون.
فقد وقعت وسائل الاعلام التقليدي في فخ الانجرار وراء السبق الصحفي ولو على حساب المهنية والمصداقية فسارعت هذه الوسائل منذ ما قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 الى التسابق على نشر بيانات الجماعات الارهابية.
وقد كان لمحطة سي ان ان الأميركية السبق في هذا المجال عندما انفردت بأول مقابلة تلفزيونية مع زعيم تنظيم القاعدة اسامة بن لادن في العام 1997 والتي عرض فيها نشاطه وأهدافه في مقابلة حققت مشاهدات بالملايين ولا أظن أن أي تنظيم كان يحلم بمثل هذا التسويق الذي جعل صيته يصل الى جلسات المقاهي التي بات هو محور أحاديثها.
وفيما بعد الحادي عشر من سبتمبر دأبت وسائل الاعلام على استضافة ـ سواء بسذاجة أو بسوء نية ـ المنظرين والمبررين لأفعال الارهاب وكانت الشرائط المتوالية لابن لادن هي خير مروج لأفكاره وانجع وسيلة لاجتذاب المزيد من الاتباع.
أما جديد الخدمات التي تقدمها وسائل الاعلام للارهاب فتتمثل في مساعدة الجماعات الارهابية على نشر حالة من البلبلة والاحباط في صفوف الجماهير والايحاء إلى الرأي العام أن الأمور باتت خارج السيطرة.
ولا يقتصر خطورة الدور الإعلامي في النقل عن مواقع الإرهابيين وصفحاتهم فقط بل يمتد الأمر الى نقل وسائل اعلام توصف بالعريقة عن وسائل اعلام مغمورة دون أن يكلف الإعلامي نفسه عناء البحث والتحقق أو حتى التفكر في مدى معقولية أو واقعية ومصداقية ما ينشره.
ولعل أبرز مثال على ذلك، التغطية الإعلامية التي صاحبت الحادث البحري الأخير الذي وقع قبالة سواحل دمياط بمصر عندما هاجمت زوارق صيد محملة بالأسلحة الثقيلة زورقا تابعا للبحرية المصرية حيث جرى التعامل مع المهاجمين من قبل القوات البحرية والجوية المصرية التي تحركت لمعاونة الزورق المستهدف وتم اغراق الزوارق المهاجمة والقضاء على نحو 30 منهم والقبض على عدد مماثل.
ورغم ان قواعد المهنية الاعلامية تقول ان الجهة الوحيدة التي تعتبر مصدرا حقيقيا وصادقا للمعلومات في هذه الحالة هي المسؤولون بالأجهزة العسكرية والأمنية كما أن الصالح العام واعتبارات الأمن القومي تقتضي عدم افراد مساحات لتكهنات قد تؤثر على سير التحقيق الا أن وسائل اعلام بعضها مشهود له بالعراقة دأبت على نشر معلومات مصدرها مواقع الكترونية مغمورة تبنت روايات لا تصلح حتى أن تكون مشهدا في أحد الافلام السينمائية الفاشلة مثل رواية تسلل بعض المهاجمين إلى داخل الزورق وتصفيتهم لطاقمه.
اذا كان حسن النوايا أو السذاجة هو الذي يدفع الإعلاميين إلى الجري وراء السبق والفرقعة الإعلامية الأمر الذي يعود على الإرهابيين بالشهرة المجانية وشغل مساحات واسعة في اهتمامات الرأي العام الأمر الذي يؤدي إلى الاعتراف بوجودهم فإن الأمر يتطلب من التشديد والتوعية على الإعلاميين بعدة بديهيات منها ضرورة التعامل مع الخبر بموضوعية تامة والتحكم بنشره وتوقيته مع الابتعاد عن الإثارة في طريقة النشر والحذر من نشر ما يتبنى وجهة نظر الإرهابيين مع الأخذ في الاعتبار أن وظيفة الإعلامي هي الأخبار بالحقائق وليس اجتذاب الجمهور بالإثارة على حساب الموضوعية.

إلى الأعلى