الجمعة 10 يوليو 2020 م - ١٨ ذي القعدة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / رحاب : بين المهارة والشهادة

رحاب : بين المهارة والشهادة

أحمد المعشني

في عام 1967 قدم سعيد إلى إحدى الدول الخليجية النفطية للعمل، كان دون العشرين من عمره، وعلم ممن سبقوه أن شركة نفطية كبيرة توظف أعدادًا غفيرة من الناس للعمل فنيين وعمالا وسائقي معدات، انتظر في طابور طويل، وبعد أكثر من ساعتين جاء دوره للدخول على مسؤول التوظيف الذي استقبله بجلافة وخشونة، وبدون أن يأخذ أو يعطي معه في الكلام، قال له في ضجر: قائمة أسماء المقبولين للعمل مثبتة على اللوحة التي بجوار الباب. ولم يمهله حتى يسأل فقال: غيره، مناديًا على الطابور الذي يمتد من خارج المبنى حتى مكتبه. أحبط سعيد الذي جاء من ظفار، وركب الفيافي والبحار حتى وصل إلى تلك الدولة للعمل، فهو لا يعرف القراءة ولا الكتابة. شعر بأن كرامته قد جرحت، واستحى أن يخبر الرجل بأنه أُميّ لا يقرأ ولا يكتب.
فهو راعي إبل، لم يجلس يومًا واحدًا على مقعد مدرسة ولم يحضر في حلقة كتاتيب، وليس من بين أفراد أسرته يومئذٍ من يعرف القراءة والكتابة، وكان أهله في تلك الأيام يستأجرون من يقرأ لهم رسائل أبنائهم المهاجرين في الخارج للدراسة والعمل. خرج سعيد مطأطئ الرأس يحمل شحنة عنيفة من الأسى والندم، واستدعى في عقله مسلسلًا طويلًا من المعاناة والمخاطرة تعرض لها منذ خروجه من جبال ظفار في تلك السنة، متخفيًا تارةً ومنتحلًا اسمًا آخر تارة أخرى ومنتميًا إلى أكثر من جنسية بين الحدود المختلفة حتى وصل إلى تلك الدولة التي كانت بمثابة جزيرة الأحلام. كان يؤنب نفسه، فقد باع ما يملك من رؤوس الماشية بمبالغ زهيدة لتأمين شراء جوازات السفر وأجرة السفينة الشراعية ومتطلبات معيشته خلال الرحلة. عاش سعيد معاناة شديدة حتى وصل إلى تلك الدولة، وها هو الآن يتلقى تلك الصفعة العنيفة من موظف أجنبي، يخاطبه بكبرياء. لكن سعيد بعد أن هدأت ثورة غضبه، استعاد أنفاسه واستراح قليلًا في بيت الضيافة التي أقامها بعض الذين سبقوه من أبناء منطقته لاستقبال وإيواء الضيوف. في المساء رأى زميله حسن يحمل دفاتر وكتبًا مهترئة، فسأله إلى أين سيذهب؟ فأخبره بأنه ذاهب إلى مدرسة لتعليم الكبار. فتساءل: وهل هناك مدرسة لتعليم الكبار مثلي؟ فأخبره حسن: نعم! وأعلمه كذلك بأنه منذ أن وصل إلى هذا البلد قبل خمس سنوات، وهو منتظم في فصول تعليم الكبار، وقد اجتاز في أربع سنوات شهادة المرحلة الابتدائية بنظام محو الأمية وتعليم الكبار، ثم أتيحت له الفرصة لاختصار دراسة المرحلة المتوسطة، وبعد عام من الآن سيكون في المرحلة الثانوية وخلال أربع سنوات سيكون بإمكانه الحصول على شهادة الثانوية العامة التي كانت تمنح للذين يجتازون الاختبارات العامة بجدارة.
طلب سعيد من حسن أن يرافقه، يريد أن يرى المدرسة، ويرى ويسمع ما يجعل الناس يكتبون ويقرأون. وهناك انشرحت نفسه عندما رأى وسمع أشخاصًا في عمر والده يرتادون ذلك المركز من مختلف الجنسيات للتعلّم، وفي غضون أسبوع صار سعيد طالبًا مسائيًّا، وفي خلال فترة وجيزة وبحماس منقطع النظير صار يقرأ ويكتب قبل أن يكمل عامه الأول، بل وصار خطاطًا، ولم يكتفِ بذلك بل تعلم الكتابة على الآلة الكاتبة، وتعلم مبادئ اللغة الإنجليزية، وتميز في الحساب، وعندما تقدم للتوظيف بعد سنة واحدة فقط، استطاع أن يجتاز اختبار ومقابلة وظيفة كاتب سجلات، لأن معيار التعيين في تلك الشركة كانت المهارة وليس الشهادة. تابع سعيد تعليمه وانتهى من الدراسة الثانوية بنظام التسريع في فترة ست سنوات، وعندما عاد إلى السلطنة في عام 1975 تلقى عرضًا للعمل في وظيفة مرموقة في الحكومة، لكنه آثر أن يعمل تاجرًا. كنت حاضرًا في مكتبه ذات يوم: وكان يردد عبارة: قاتل الله الجهل. وكان يخبرني بأن الجهل أم المصائب، والمعاصي. لقد تعلم سعيد كما تعلم أمثاله في تلك الأيام بأن المعرفة لا تعني الشهادة، وأن الشهادة لا تثبت المهارة. فعلى من يتعلم أن يعرف ماذا يريد أن يكتسب وماذا سيفعل بما علم وما أتقن من مهارات وأخلاق وقيم، فتلك أهم من الشهادة بكثير.

د.أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب التنمية البشرية

إلى الأعلى