الجمعة 10 يوليو 2020 م - ١٨ ذي القعدة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / الواقع العربي
الواقع العربي

الواقع العربي

إن أكبر خطر يهدد كيان الأمم والشعوب هو فقدان الثقة بين السلطة والشعب؛ لأن الشعوب عندما تفقد هذه الثقة تتحول إلى شعوب مرتهنة لقوى خارجية تتلاعب بها بسهولة بالغة، فهذه القوى تستغل هذه الفجوة بين السلطة والشعب لتنفذ من خلالها إلى إرادة الشعوب وتسخرها كآلة عمياء لتحقيق أهدافها الخفية.
إن المراقب لتطور الأحداث في الجغرافيا العربية منذ الغزو الأميركي للعراق واحتلاله وحتى يومنا هذا ليدرك مدى الضعف والتشرذم الذي وصل إليه الواقع العربي، والذي سمح لقوى إقليمية وعالمية بالتدخل في شؤونه والعبث بواقعه إلى الحد الذي وصل فيه الأمر بأن تتقاسم فيه هذه القوى النفوذ على أرض العروبة في غرفة مغلقة لا نعرف عنها شيئًا. إن هذا الواقع المؤلم يذكرني بقصة الذئب الذي كان ينتظر القاصية من الغنم لينقض عليها بلا رحمة.
أخذت أتأمل هذا الواقع المؤلم الذي تعاني منه الأمة العربية، فأحسست بحسرة وألم يعتمر صدري على أمجاد العروبة عندما كانت الأمم تهابها، وتحسب لها ألف حساب، فأصبحت اليوم أمة تائهة ليس لها شأن يذكر، وأحسست بالحسرة على دول عربية كانت متماسكة وقوية تخشاها أقوى الدول فأصبحت اليوم دولا مفتتة مجزأة تنهشها الذئاب من كل صوب، وأحسست بحسرة على شعوب تجمعها اللغة والدين والعرق والجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك فأصبحت اليوم تتقاتل وتتصارع لأتفه الأسباب، وأحسست بحسرة على شعوب عربية شردت في بقاع المعمورة تستجدي المسكن والمأكل من الغرباء، وأشقاؤها من العرب ينعمون بالثروات والخيرات، وأحسست بحسرة على طاقات لم تجد من يحتضنها ويرعاها فهاجرت إلى دول تقدر العلم والعلماء والفكر والإبداع، وأحسست بحسرة على جامعة عربية كان يفترض بها أن تجمع كلمة العرب وتحل الخلافات بينهم وتوحد صفوفهم وترسم السياسات التكاملية بينهم لتحقيق الوحدة العربية المنشودة فأصبحت اليوم مجرد مؤسسة شكلية للشجب والاستنكار، عاجزة عن اتخاذ أي قرار، تعقد اجتماعات لا جدوى منها، اجتماعات تبدأ بأخذ صور تذكارية وتنتهي بتبادل الاتهامات بين الخصوم.
إن الكثير من القوى الإقليمية والعالمية استطاعت استغلال الواقع المؤلم الذي تعيشه الأمة العربية، فأصبحت اليوم تتدخل في كل خلاف عربي لتحقيق أجندات معينة خاصة بها لا تمت بصلة لمصلحة العروبة وشعوبها مهما أظهرت خلاف ذلك.
إن أكبر خطر يهدد كيان الأمم والشعوب هو فقدان الثقة بين السلطة والشعب؛ لأن الشعوب عندما تفقد هذه الثقة تتحول إلى شعوب مرتهنة لقوى خارجية تتلاعب بها بسهولة بالغة، فهذه القوى تستغل هذه الفجوة بين السلطة والشعب لتنفذ من خلالها إلى إرادة الشعوب وتسخرها كآلة عمياء لتحقيق أهدافها الخفية. وهي في سبيل ذلك لا تتورع عن رفع شعارات خادعة رنانة كالشرعية وشعارات الطائفية وغيرها من الشعارات الزائفة التي قد تبدو حقيقية في ظاهرها، ولكن النيات تختلف عن الظاهر.
إن أول خطوة في سبيل إصلاح الواقع العربي يتمثل في ضرورة إرساء مصالحة شاملة بين الحكومات وشعوبها؛ لأن هذه المصالحة هي السبيل الوحيد للحفاظ على اللحمة الوطنية، وإبعاد شبح التدخلات الخارجية عنها، هذه التدخلات مهما أظهرت من حسن نية، إلا أنها في كثير من الأحيان قد تحمل أجندات متضاربة، وقد تؤدي في نهاية المطاف إلى تفاقم الخلافات بين الشعوب وتحولها إلى صراعات دامية.
إن العلاقة بين الحكومة والشعب يجب أن تكون علاقة مبنية على الاحترام المتبادل، فالحوار المبني على الاحترام يساعد كثيرا على تقريب وجهات النظر، كما أنه يزيل الكثير من العراقيل أمام حل الكثير من النزاعات الداخلية، وعلى العكس من ذلك، فإن منطق البطش والقوة لا يسهم كثيرا في حل هذه النزاعات، بل ربما يؤدي إلى تفاقمها لتتحول إلى حروب أهلية طويلة قد تستعصي على الحل.
في الختام، أتمنى أن تكون لدى القادة العرب الإرادة السياسية الحقيقية لتوحيد كلمتهم في وجه التهديدات المتصاعدة كل يوم، وأن يأخذوا العبرة من ملوك الطوائف في الأندلس الذين كان همهم الأول والأخير الحفاظ على ملكهم فدخلوا في صراعات داخلية لا طائل منها، بل وصل بهم الأمر إلى حد الاستعانة بنصرة الفرنجة على بعضهم البعض، وانتهى بهم المطاف إلى سقوط دويلاتهم الواحدة تلو الأخرى.
يقولون إن التاريخ يعيد نفسه، ولكن للأسف فإن الحمقى لا يتعلمون من دروس التاريخ.

خالد الصالحي

إلى الأعلى