الجمعة 10 يوليو 2020 م - ١٨ ذي القعدة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / ومن سينفق على الصحف الرقمية؟!

ومن سينفق على الصحف الرقمية؟!

فوزي رمضان
صحفي مصري

أثبتت جائحة كورونا «كوفيد 19» بما لا يدع مجالا للشك أن الصحف الورقية ومواقعها الإلكترونية هي الأدوات الإعلامية للدول؛ كونها بيوت خبرة للمهنية، والحاضنة الأساسية للنشر المهني، ومحاربة انتشار إشاعات المنصات الرقمية..

في الوقت الذي تجتر فيه الصحف الورقية همومها، وتحصي وتعدد خسائرها، كانت وصفة العلاج جاهزة لدى خبراء الإعلام وأساتذة الصحافة، أتوا جميعا بالترياق الذي يشفي علل الورقية وأمراضها، أجمع الكل أن الخلاص من الأزمة هو تطوير المحتوى الإعلامي، والتحول إلى الصحافة الرقمية.
وبالفعل بات لكل صحيفة مرموقة موقع مميز في الفضاء الرقمي، بجانب الطباعة الورقية، التي أصبحت تستجدي إعلانا من هنا واشتراكا من هناك، باتت تستعطف حكوماتها من أجل الاستمرار فقط، أو بالكاد تدفع رواتب موظفيها، أو جزءا من عمليات التشغيل الباهظة التكاليف. وفي ظل ذاك الصراع المرير، خرج ما يزيد عن أربعة آلاف صحيفة ورقية حول العالم، وتحول البعض منها إلى صحف رقمية، وكأن هذا الرقمي هو التطور الطبيعي للصحف الورقية، غافلين كم من موظفيها مع أصولها ومطابعها واستثماراتها التي ضاعت هباء؟
في ظل انتشار الوباء المنتشر لفيروس كورونا، رأت معظم الحكومات، ومن أجل الإجراءات الاحترازية، إيقاف طباعة الصحف الورقية، لذا غابت عن المشهد ودخلت في عزلة، واكتفت بالنشر الرقمي على الإنترنت، ورغم مرور أكثر من ثلاثة أشهر على غياب النسخ الورقية، التي كانت تجذب المعلن نوعا ما وتشجعه على الإعلان، الأمر الذي يؤمن لها بعضا من مصادر الدخل، هنا يأتي الواقع ليدحض الخيال، وتهزم النظرية أمام التطبيق، فقد عجزت الصحف الخاصة، بالرغم من تطوير محتواها الإعلامي، وتجنيد كل صحفييها لاقتناص الأخبار وسرعة النشر، رغم كل ذلك لم يقتنع المعلن حتى الآن بالنشر الرقمي، ولم تحصل الصحف إلا على فتات الإعلانات وبأسعار متدنية، تعجز حتى عن دفع فواتير استهلاك الكهرباء، فما بالك بأعباء رواتب موظفيها؟ الأمر الذي استنزف أصحاب تلك الصحف، وبات يراودهم هاجس الإغلاق، وأصبح السؤال الصعب الموجه لأساتذة نظريات الصحافة: من سينفق على الصحف الرقمية إن استمرت رقمية؟
يعلم الجميع ويتفق عليه أيضا، أن انهيار الصحف الورقية أو حتى نسختها الرقمية، يفتح الباب واسعا لمواقع التواصل الاجتماعي لتحل محلها وتأخذ دورها، وبالتالي تتسلل الأخبار الزائفة والكاذبة، وتأخذ مكانها في المجتمع، والتجربة كانت خير برهان؛ فمن خلال العزل الصحي الذي طال جميع سكان الأرض، أن انتشر الكم الهائل من الإشاعات، والأخبار الكاذبة والمعلومات الخاطئة على مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية.
من خلال هذا اللغط والتزييف والتضليل، انسحبت الجماهير بشكل غير مسبوق نحو وسائل الإعلام التقليدية ومواقع الصحف المحترمة، مما كان له الأثر الإيجابي، الذي أعاد لها اعتبارات المهنية والمصداقية، ولا سيما أنها كانت وستظل الأداة الرئيسية لنقل تصريحات المسؤولين ونشر البيانات الرسمية بشكل موثوق.
أثبتت جائحة كورونا “كوفيد 19” بما لا يدع مجالا للشك أن الصحف الورقية ومواقعها الإلكترونية هي الأدوات الإعلامية للدول؛ كونها بيوت خبرة للمهنية، والحاضنة الأساسية للنشر المهني، ومحاربة انتشار إشاعات المنصات الرقمية، التي يقوم عليها أفراد هواة غير محترفين في صناعة الأخبار التي تكتب بدون سند لمصدر، أو دون التأكد من صحتها، أو بغير اتباع للطرق الفنية في الصحف العريقة، التي تخرج من مؤسسات راسخة قوية، تعتمد المهنية والمصداقية كميثاق شرف موثق لقداسة الكلمة.
أثبتت أزمة كورونا أن الصحف لم تفقد أهميتها كمنصة إخبارية، رغم الأزمات المتلاحقة التي تعصف بها، فقد شرع القارئ بالعودة إليها، وأدركت الحكومات أهمية الصحف، والتزمت بدعمها وتشجيعها على الاستمرار، تجنبا لانهيارها وخوفا أن يكون البديل عنها مواقع التواصل الاجتماعي بما تحمله من فوضى.
أبدا لم يتوقع صانعو الصحف الورقية أن ينتظرهم هذا المجهول المخيف، بعد أن كان التنافس اللاهث بين كبريات الصحف من أجل السبق والانفراد وكسب القارئ، بات صراعهم الآن مع منافس فوضوي، يمثله مواقع التواصل ومنصات الهواة الرقمية، بما يحملون من كذب وتضليل وعشوائية وآراء مغرضة.
شتان التنافس بين مؤسسات عملاقة تحمل المصداقية والحرفية وترغب فقط في الدعم والرعاية، وبين منافس عشوائي يرغب في الفوضى والاسترزاق والشهرة. فالقضية مستمرة للمؤسسات الصحفية في معظم دول العالم، ماذا تفعل؟ وأين المصير؟ فقد كانت ورقية فلاحقتها الخسائر، ثم تحولت إلى رقمية فحاصرها الإفلاس، حيث الموارد شحيحة هنا وتعيسة هناك. إذًا فمن ينفق على الورقية إن قاومت؟ ومن سينفق على الرقمية إن استمرت؟ ومن يتحمل أكاذيب مواقع التواصل الاجتماعي إذا توغلت؟ وكيف لدول راسخة ذات مؤسسات عملاقة أن تستمر بدون صحف قوية؟ ثم كيف تواصل الصحف رسالتها دون تغيير وتطوير ومواكبة؟ الجميع هنا معني بالأمر.

فوزي رمضان
كاتب صحفي مصري
FAWZI_1958@YAHOO.COM

إلى الأعلى