الجمعة 10 يوليو 2020 م - ١٨ ذي القعدة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / تنسي وليامز.. نصوص ومجتمع «1ـ2»

تنسي وليامز.. نصوص ومجتمع «1ـ2»

علي عقلة عرسان

أما العملاق الثاني الذي أثر في حياة وليامز وفكره فهو لورانس الذي يقول «إن إيماني العظيم هو الإيمان بالدم واللحم لكونه أعقل من الذهن، فقد تخطئ عقولنا ولكن ما يشعر به دمُنا وما يؤمن به وما يقوله، هو دائمًا صحيح»

تنسي وليامز، هذا العالَم الغريب الحافل بالعجائب والمثيرات، هذا المُتحف الذي يحوي في زواياه ما يُعرض وما لا يُعرَض من مشاهد الجنس والشذوذ والحيوانية إلى جانب أقنعة مهزوزة لشخصيات غامضة تعيش على أحلام أو أوهام أو في الواقع، وتماثيل من الزجاج الهَش الشفاف تشبه شخوصًا في مجتمع شمعٍ بشري.. تنسي وليامز هذا العالَم البَراق الزّائف من الأضواء المصطنعة والموسيقا الصاخبة والرموز الجنسية المفضوحة والمواقف الدرامية المتتالية التي لا تنتهي إلى الوضوح التام، بل تندفع إلى الغموض والاستمرار في التيار الصاخب، تيار الحياة العامرة بالرغبات.. تنسي وليامز هذا مكون حياته وأدبه وفنه الدرامي ظروف وحوادث معيشية ومجتمع فيه من التهافت ما فيه، أدت به إلى انتهاج هذا الأسلوب في الحياة والفن.. لن نصدر حكمًا أخلاقيًّا على تلك الحياة؛ لأننا لا ننتهج هذا السبيل، وإنما سنتعرض لحياة الكاتب وآثاره الفنية بالدرس والتحليل، لنقف على صورة الحياة الاجتماعية كما يراها، وعلى خلفيات أعماله ومدى انعكاس الحياة الأميركية في تلك الأعمال.
في حياة وليامز الفكرية عملاقان تركا في نفسه آثارًا عميقة وأثَّرا في تكوينه الفكري ونظرته إلى الحياة وربما في تكوينه النفسي أيضًا، وإن كان هذا الجانب يتصل بأسباب شذوذه الذي لم يعد خافيًا.. أول هذين العملاقين “سيجموند فرويد” (1856 ـ 1939) الطبيب وعالم النفس المشهور وصاحب مدرسة التحليل النفسي الذي صبغ الأدب في فترة من الزمن بصبغة علم النفس وأصبح لنظرياته أتباع من الأدباء ومدرسة في الكتابة تدعى بـ”الفرويدية”، تطبق التحليل النفسي على الأدب عند دراسته وتحليله، أو يفصِّل أتباعُها للنظريات النفسية والحالات المرضية شخوصًا في مسرحيات وروايات وقصص، وغالبًا ما يتقصون نماذجهم في الحياة العامة من تلك الزاوية النفسية.
ونظرية فرويد في التحليل النفسي انطلقت من وعلى أساس نظرية أو مبدأ حفظ الطاقة التي أتى بها عالم الفيزياء والرياضيات والطبيعة الألماني “هرمان فون هلمهولتز 1821 ـ 1894”، وهذه النظرية تبين أن الطاقة لا تفنى ولا تستحدث، وأنها كمية شأنها شأن الكتلة، ومن الممكن أن تتحول وليس من الممكن أن تزول، وحين تختفي الطاقة من جزء من أجزاء نظام ما فإنها تظهر في جزء آخر من أجزاء ذلك النظام عينه. ويمكن أن تتحول طاقة من نظام إلى نظام، ومن حرارية إلى حركية، ومن مغناطيسية إلى كهربائية، ومن شيء إلى شيء أو من شيء إلى كائن حي.. وقد تتسامى في الكائن الحي ذي الرؤية والإرادة فتتحول من الغرائز والبهيميات إلى آفاق وتطلعات فكرية وروحية وإلى إبداع.
وأخذ فرويد مبدأ حفظ الطاقة وطبقه على الشخصيات البشرية، وقال بتوزع الطاقة في الشخص على الجوانب التي تحتاج إلى طاقة ومنها الغريزة الجنسية. والغرائز عند فرويد هي مخزن الطاقة كما هو معروف. وقد تتلمذ تنسي وليامز على نظرية فرويد هذه، ولكنه أخذ منها جانبًا ضيقًا هو الجنس وتأثيره في الحياة. وانتشر ذلك في أعماله على شكل وباء وأصبح قرينة لا تفارق أعماله، فإذا قلنا تنسي وليامز أتى الجنس كلازمة لا غنى عنها.
أما العملاق الثاني الذي أثر في حياة وليامز وفكره فهو لورانس الذي يقول “إن إيماني العظيم هو الإيمان بالدم واللحم لكونه أعقل من الذهن، فقد تخطئ عقولنا ولكن ما يشعر به دمُنا وما يؤمن به وما يقوله، هو دائمًا صحيح”. وكان لورانس أول وأجرأ من عالج الموضوعات الجنسية في الأدب، وأخرج إلى الوجود ما يسمى بالأدب المكشوف. يقول ريتشارد ألدنجتون: “لقد طرأ تغير كبير على نظرة الرأي العام للجنس في أوائل هذا القرن، وهذا التغير يعزى إلى تأثير لورانس إلى حدٍّ لا يمكن القطع به”. وقد كتب لورانس قصصًا صريحة من أمثال: أبناء وعشاق، عشيق الليدي تشاترلي، أنت الذي لمستني. وغيرها من القصص. تأثر وليامز أيما تأثر بلورانس، وفتح الأخير أمام تلميذه آفاقًا واسعة، آفاقًا عملية لجعل الجنس محورًا للعمل الدرامي.. وكان لهذين الرجلين فرويد ولورانس تأثيرهما الكبير على اتجاه وليامز ونظرته إلى الحياة وتفسيره للحوادث، وأثَّرا في تشكل مفاهيمه وترسيخ قيمه.
من الوجهة الجسمية “الفسيولوجية” والاجتماعية “السوسيولوجية” كان وليامز ضعيف البنية، منعزلًا عن أقرانه مع أخته روز في كنف جدهما القسيس.. إذ إن أباه كان بائع أحذية مغرمًا بالمسافات الطويلة، يقضي أيامه في الطواف بين مقاطعات الولايات المتحدة الأميركية طلبًا للرزق، ولجأت أمه إلى أبيها. وبذلك تربّى وليامز وروز في كنف جدهما، وكانا يلعبان معًا فنشأ بينهما نوع من الألفة العميقة مما عمق الصدمة التي أحس بها عندما انفصلت عنه بحكم نضجها الأنثوي وأصبحت تنطوي في عالم خاص بها، فكان لذلك عليه أبعد الأثر.. وزاد في عزلة وليامز وانفراده إصابته بالدفتريا، واكتشافه أن الناس ينقسمون إلى قسمين: الأغنياء والفقراء، وكونه من القسم الأخير سبب له أيضًا صدمة تطورت وأصبحت تتجلى في كتاباته.
عاش وليامز طفولة عذبة مع أخته، وعندما كبر وحلّت بأسرته وبسائر الأسر الأميركية الضائقة الاقتصادية عام 1929 أحس بقسوة الحياة واضطر إلى العمل في مصنع للأحذية مما ضاعف إحساسه بالنقمة وبأنه في مكان غير المكان اللائق به، إذ كان ينظم الشعر ويكتب القصة القصيرة والمسرحية القصيرة في ذلك الوقت. وتطلعاته إلى الغنى جعلته يعيش طموحات الطبقة التي لا ينتمي إليها ويتطلع إلى هجر طبقته.
وكانت أمه تدفعه وتدفع أخته إلى العمل وتحثهما على شق طريقهما في الحياة كي يستطيعا أن يكونا شيئًا في المجتمع الأميركي الذي لا يرحم. كانت أخته خيالية جدًّا لم تستطع أن تتلاءم مع الحياة الجديدة، وبقيت مع أحلامها إلى أن تسبب لها ذلك بالجنون ودخلت مصحًّا عقليًّا.. وأثَّر ذلك في وليامز وظهر في أعماله، ونجد دائمًا صورة لتلك الأخت في معظم شخوصه النسائية.
أما هو فقد اضطر تحت ضغط الظروف إلى العمل، وخضع لما يخضع له كتاب الدراما في أميركا من تحكُّم الجمهور والمُخرج والتُّجار بهم، “شبَّاك التذاكر” حاكم قاهر، فعدَّل أدبه بما يتلاءم مع رغبة المنتجين والمخرجين وبما يؤمن إيرادًا ضخمًا في شباك التذاكر. وقد وصف وليامز الضغط التجاري الذي يتعرض له الأدب الدرامي قائلًا: “لا شك أن الأدب الدرامي الحقيقي يختنق في مثل هذا الجو، وما لم يكن الكاتب صاحب قدرة ومكانة تتيحان له مقاومة النزعات التجارية التي تفرض عليه وعلى المخرجين ذاتهم، فعليه أن يكتفي بنشر مسرحيته في كتاب، أو أن يولي الأدبار هاربًا من المسرح ومن فيه”.
وقبل أن نتعرض لفن وليامز المسرحي نود أن نذكُر نبذة بسيطة عن حالة الأدب المسرحي في الولايات المتحدة الأميركية. إننا نعلم أن أميركا لا تتمتع برصيد حضاري وأدبي قديم، وإنما هي أمة حديثة التكوين لا تملك من التراث الأدبي والفني ما تملكه فرنسا أو إنجلترا أو إيطاليا أو إسبانيا مثلًا، وتقدمها الصناعي والتقني الهائل الذي نشهده اليوم لا يحكمه غنى حضاري في الأدب والإنسانيات، أو عراقة أنضجت قيمًا خاصة من خلال التحام الإنسان بالأرض والأحداث والطبيعة على مدى قرون عديدة من الزمن. ولا يخفى أن المجتمع الأميركي تكون بشريًّا عن طريق الهجرة، وكان المهاجرون يغزون القارة الجديدة بقصد الربح ومزيد من الكسب، وربما كثر بينهم المغامرون من ذوي التوجهات المادية الخالصة بالدرجة الأولى. لهذه الأسباب أصبحت القاعدة في كل شيء يُعمَل في أميركا، أدبًا أو فنًّا أو تجارة، الاهتمام بدافع الكسب المادي.. الربح وتحقيق النجاح بأية طريقة. وكان الأميركي يعيش على الأدب المستورد من أوروبا إلى أن أحس الأميركيون بضرورة نشوء قيم أدبية وتراث أدبي وفني خاص بهم، بعد أن ارتبطت أجيال منهم بالأرض الجديدة وأصبح انتماؤهم إليها حاسمًا بصورة كلية. ولم يكن ذلك بالأمر اليسير مع وجود النظرة المادية ـ البراغمايتية في الحياة والأبعاد الثقافية والحضارية المختلفة للمهاجرين.
للأسباب السالفة الذكر انفصل الأدب عن الدراما ـ وهو أمر ليس في صالحها، ويدخلها في الصناعات الثقافية الربحية ـ وأصبح الكاتب المسرحي لا يقبل أن يسمى أديبًا. يقول روبرت بروشتين: “إن الكاتب المسرحي عندنا في أميركا حاليًّا ينفر من أن يوصف بأنه أديب أو له أدنى صلة بالأدب، ويفضل أن يعتبره الناس مجرد حرفي برَعَ في فنون التسلية، وربما تجاوز معك الحدود فقبل أن تصفه بأنه فنان خالق، ولكنه أبدًا لا يرضي أن تصمه بعار الأدب”. ويقول كنيث تينان في وصف الجمهور المسرحي الأميركي وذوقه: “إن الجمهور يدخل المسرح في نيويورك وليس في ذهنه إلا ما يمكن أن يشاهده من مناظر البذخ وأفانين الرقص والموسيقا وكافة الخدع التي غذَّت بها السينما خياله، وأشبعت بها ملَله من حياته، حتى ليستحيل عليه أن ينصت ولو لبضع دقائق إلى ممثل ينطق بعض السطور بلا مشوقات ولو كان يقوم بدور هَمْلِت”، لهذه الأسباب كان هناك انفصال بين الأدب والدراما، وانتشار للاستعراض والسطحية، وبحث عن المُغريات التي تشد الجمهور أيًّا كانت.
وقد ساعدت لغة المسرح على تعميق الهوة، إذ إن لغة المسرح هي اللغة العادية اليومية، والإحساس بالنصوص المسرحية كما يقول وليامز: “يأتي عن طريق المشاركة بالمشاهدة ونصوص المسرح ليست مكتوبة أصلًا”. ومن هنا مصدر ذلك الإحساس الذي يخرج به مشاهد وليامز وقارؤه، إذ يعجز فنه عن الارتفاع إلى مستوى التراجيديا، ولا يصل وليامز بمسرحياته إلى عمق المأساة، ولا يطوف في معارج الإنسانية العليا عندما يعرض مشكلات يتناولها.. ويبقى أدبه مشدودًا برواسي تشل قدرته على التحليق، رواسي مزروعة في الشذوذ الخاص، وفي المعالجات الفردية للشخصيات، وفي المطالب الخاصة لـ”صناعة المسرح”، وفي الحالات الخاصة للأُسر الأميركية التي تعيش على الوهم وتحلم بالماضي السعيد وتعجز عن التلاؤم مع قوانين الحياة المادية الجديدة التي فرضت نفسها بعد الأزمة الاقتصادية عام 1929.

علي عقلة عرسان
كاتب وأديب سوري
ersa10jabr@hotmail.com

إلى الأعلى