الثلاثاء 11 أغسطس 2020 م - ٢١ ذي الحجة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قراءة بلاغية فـي آيات قرآنية الروابط اللفظية ودورها فـي التماسك النصي «سورة النصر نموذجًا» «1»

قراءة بلاغية فـي آيات قرآنية الروابط اللفظية ودورها فـي التماسك النصي «سورة النصر نموذجًا» «1»

تلعب الروابط اللفظية بكلِّ تشكيلاتها اللغوية دورًا عضويًّا مباشرًا، وتكون عنصرًا أساسيًّا في تماسك النص، وتلاحم دلالاته، وتشعُّب معانيه، ومع دقة النظر إليها في أثناء التلاوة فإنها تأخذ بيد القارئ ليعيش ويمتلئ بما يقرأ معنويًّا ودلاليًّا، وتكون له في الوقت نفسه إحدى وسائل تمكين الحفظ في النفس، ويتيسر من خلال الوقوف عليها استرجاعُ المحفوظ القرآني، وهي كذلك علامة على إمكانات اللغة وثرائها في الترابط الدلالي، وتلك الروابط كثيرة، ومتعددة، منها أدوات الشرط بكلِّ أنواعها: حروفًا، وأسماء، تجزم فعلين أو لا تجزم، ومنها حروف العطف كاملةً، ومنها النواسخ بأنواعها: حرفية، وفعلية، واسمية ، ومنها روابط الاستدراك، مثل:(إلا، وغير، وسوى، وخلا وعدا وحاشا، وإنما، ولا، ولكن .. وغيرها)، ومنها القول، وفعله، ومنها الجمل الوصفية، والجمل الحالية التي ترتبط قبلها بنكرة، أو معرفة، تمتِّن بينهما الصلة، ومن ثَمَّ الدلالة، ومنها روابط جملة الشرط، كالفاء، وإذا الفجائية القائمة مقام الفاء، ومنها التعليل لما سبق، وتوضيح ما غمض، ومنها التوابع التي ترتبط بتابعيها، وغيرها من تلك الروابط، وفي سورة النصر نرى كثيرًا من تلك الراوبط واضحةً ماثلةً في كل كلمة من كلمات السورة الكريمة تقريبًا، ونبدأ بعرض السورة أولًا، ثم نمضي معها؛ لنتبين طبيعة تلك الروابط، وما أحدثته من تماسكٍ نصيٍّ، تبعه ـ بلا شك ـ تماسكٌ دلاليٌ، ومعنويّ، وسياقيّ، حتى إن القارئ ليقرأ السورة، وينتهي منها من غير أن يشعر بانتهائها؛ لشدة ما بينها من ترابط دلالي، وتلازم لغوي، كلٌّ منهما قد أحدث ما يشبه حلقاتٍ متراصةً في عقد منظوم، وتلازم منغوم، يقول الله تعالى:(إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا)، هي ثلاث آيات متتابعات، مترابطات، متماسكات، كأنها حلقات عِقد منظومة بصورة آسرة، لا يمكنك استبدال إحداها مكان الأخرى، وكل حلقة أدَّتْ معنًى مع سابقاتها، ولاحقاتها، كالأيدي المتشابكة، المتداخلة لعمل شيءٍ ما، حيث بدأت السورة بأداة الربط (إذا الشرطية) التي تفيد ربط الجواب بالشرط في المستقبل، وتأكيد حصوله، ورصد وقوعه، وهي تتطلَّب شرطًا، وجوابًا، تؤثر في الشرط الجرَّ بالإضافة، ويؤثر فيها الجوابُ بالنصب، فبخلاف الترابط الإعرابي، وتداخله يوجد هناك ترابطٌ لغوي، حيث إنَّ الظرف(إذا) من الظروف التي يجب إضافتها إلى الجمل وجوبًا (سواء أكانت تلك الجمل اسمية، أم فعلية على اختلاف بين نحاة البصرة والكوفة في ذلك)، لكنهما متفقان على وجوب إضافتها، أيْ تلازم المضاف، والمضاف إليه، وهو لون من ألوان التماسك النصي، والتلاحم اللغوي، فجملة:(جاء نصر الله) مضافة لـ(إذا) إضافةً سرمديةً أزليةً، وجملة:(جاء نصر الله) عبارة عن فعل ماضٍ، وفاعله المركب تركيبا إضافيًّا بدلالة حذف نون كلمة:(نصر) التي حذف تنوينها للإضافة، والإضافة تُعَدُ من التراكيب المتلازمة، حيث يسبق المضاف، ويتبعه وجوبا الضاف إليه، وألزمته اللغة الجرَّ، والجملة هنا مجازٌ عقليٌّ، علاقته المصدرية، فالنصر لا يجيء في الواقع، لكنه في الاعتقاد يجيء؛ لأنه من عند الله، وقد أضيف إلى اسم الجلالة تشريفًا؛ لأنه جندي من جند الله نصر من عند الله ، فالإضافة هنا على معنى (من) أو على معنى (اللام)، أي نقول: (نصر من الله)، أو (نصر لله)، والفعل (جاء) فيه مدٌّ متصل تجويديًّا.
والفعل (جاء) تعني المشقة، والتعب على عكس الفعل:(أتى) الذي يكون في الأمور اليسيرة، الداخلة تحت مقدرة العبد، ويؤوَّل على أن النصر سريع يمتد، وينزل إلى مستحقِّيه.

د.جمال عبدالعزيز أحمد
كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة – جمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى