Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

نهاية النفط الصخري!

أما انعكاس ذلك على الأسعار فيظل محل تخمين، إذ إن التعافي الاقتصادي العالمي من أزمة كورونا لا يبدو بالقوة والسرعة التي كانت متوقعة. وبالتالي فإن الطلب العالمي على النفط قد يأخذ وقتا أطول قبل أن يعود إلى ما كان عليه قبل أزمة وباء كورونا.
طلب عملاق إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة، شركة تشيسابيك إنيرجي، الخضوع للفصل 11 من قانون الشركات؛ أي إشهار إفلاسها بهدف الحماية من الدائنين. وسبق أن أعلنت شركات أصغر تعمل في مجال إنتاج النفط الصخري في الأشهر القليلة الماضية إفلاسها أو توقف أعمالها بانتظار بيع أصولها. أهمية شركة تشيسابيك أن إنتاجها كان السبب في تحول أميركا إلى مصدر صافٍ للنفط بعد كان إنتاجها لا يكفي استهلاكها. وأضاف النفط الصخري أكثر من 4 ملايين برميل يوميا للإنتاج الأميركي، ما جعل الولايات المتحدة تتجاوز السعودية وروسيا كأكبر منتج للنفط في العالم.
يعتمد إنتاج النفط الصخري على تكنولوجيا مكلفة لاستخلاص الزيت من قشرة الأرض في مساحات واسعة، وبالتالي فكلفة إنتاج البرميل من النفط الصخري تفوق خمسة أضعاف كلفة إنتاج النفط من الآبار. وبالتالي ازدهر القطاع، خصوصا في أميركا وكندا، في وقت ارتفاع أسعار النفط قبل صيف 2014 حين كان سعر البرميل فوق مئة دولار. لكن مع هبوط أسعار النفط بشدة أصبح إنتاج النفط الصخري مكلفا وأدى إلى تراكم الديون على الشركات المنتجة، على أمل أن تعاود أسعار النفط الارتفاع ويمكنها تعويض خسائرها. وحين هوت الأسعار مجددا إلى ما دون ثلاثين دولارا للبرميل أصبحت الشركات العاملة في إنتاج النفط الصخري في وضع غير مستقر. فكي تستطيع منصات الإنتاج الاستمرار ـ وليس تحقيق أرباح ـ تحتاج إلى سعر نفط لما بين أربعين وخمسين دولارا للبرميل.
ورغم اتفاق أوبك والمنتجين من خارجها على خفض الإنتاج لسحب فائض المعروض من السوق، إلا أن الأسعار لم ترتفع عن أربعين دولارا للبرميل. ولأن أزمة وباء كورونا هوت بالطلب العالمي على النفط أصبحت مشكلة قطاع النفط الصخري مضاعفة. وجاء الإعلان من تلك الشركة ليتوج توجها منذ عدة أشهر وتوقعات بأن يتوالى إفلاس شركات النفط الصخري. وفي نهاية شهر مايو أشارت وكالة الطاقة الدولية في تقرير لها إلى أن تمويل استخراج النفط الصخري في الولايات المتحدة في عام 2020 سيتقلص بنسبة خمسين في المئة مقارنة بالعام الماضي. كل ذلك سيؤدي بالضرورة إلى تراجع الإنتاج الأميركي من النفط الذي يشكل النفط الصخري أغلب الزيادة السنوية فيه. ومن شأن انخفاض إنتاج أميركا وكندا أن يسهم في توازن السوق بالحد من فائض العرض في ظل عدم نمو الطلب. كما أن ذلك سيزيل بعض العبء عن المنتجين من أعضاء أوبك ومن خارجها الذين يشاركون الآن في جهد الحفاظ على توازن السوق بخفض الإنتاج بنحو عشرة ملايين برميل يوميا.
أما انعكاس ذلك على الأسعار فيظل محل تخمين، إذ إن التعافي الاقتصادي العالمي من أزمة كورونا لا يبدو بالقوة والسرعة التي كانت متوقعة. وبالتالي فإن الطلب العالمي على النفط قد يأخذ وقتا أطول قبل أن يعود إلى ما كان عليه قبل أزمة وباء كورونا. وحسب أفضل التوقعات، لن يزيد التأثير الإيجابي لتراجع الإنتاج الأميركي والكندي نتيجة توقف منصات إنتاج النفط الصخري عن دفع أسعار النفط نحو حاجز الخمسين دولارا للبرميل. وفي السابق، كانت الأسواق تفترض دوما أن الأسعار عند خمسين دولارا وما فوق تسمح لشركات النفط الصخري بمعاودة النشاط. أما الآن، وبعد أشهر طويلة من تردي الأسعار وتفاقم ديون شركات النفط الصخري وبدء مسلسل الإفلاس في الأشهر الأخيرة، فمن الصعب توقع عودة إنتاج النفط الصخري إلى سابق عهده ـ ناهيك عن زيادته. وحتى لو زادت أسعار النفط عن ستين دولارا للبرميل ـ وهو احتمال مغرق في التفاؤل ـ فإن عودة كثير من الشركات العاملة في إنتاج النفط الصخري يبدو مستبعدا. وبالطبع، لا يتوقع دخول استثمارات جديدة في هذا المجال في ظل تقلبات السوق.
وما يعزز اتجاه التراجع المستمر في إنتاج النفط الصخري، وتوقع البعض أن تكون نهايته، أن العالم يستثمر الآن أكثر في “الطاقة النظيفة” أو “الطاقة الخضراء”؛ أي قليلة الانبعاثات الكربونية. ومقابل تراجع الاستثمارات في قطاع النفط الصخري، تزيد الاستثمارات في إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية ومن الرياح والمصادر المستدامة الأخرى. وتسارع شركات إنتاج وسائل النقل إلى التحول نحو إنتاج المركبات الكهربائية، بدلا من تلك التي تعمل بوقود من مشتقات تكرير البترول أو الغاز. لذا، تزيد محطات توليد الكهرباء التي تعتمد على مصادر الطاقة المستدامة من شمس ورياح وطاقة نووية وغيرها. بالطبع لا يعني كل هذا أن زمن النفط ولَّى أو كاد، فالاقتصاد العالمي سيظل بحاجة للنفط والغاز كمحرك أساسي لدينامو النمو، لكن سعة الطلب التي تنتج عن النمو والتوسع الاقتصادي قد يمكن تلبيتها من مصادر طاقة مستدامة بدلا من إنتاج الغاز والنفط الصخري. ورغم التبعات السلبية لأزمة وباء كورونا، وتضاعفها بانهيار أسعار النفط مطلع العام، إلا أن ما أدت إليه من احتمال إخراج النفط الصخري من السوق ربما يصبح تطورا إيجابيا. ليس فقط على صعيد توازن سوق النفط العالمي، بل أيضا بدفع العالم نحو مزيد من إنتاج الطاقة النظيفة الصديقة للبيئة.

د.أحمد مصطفى أحمد
كاتب صحفي مصري
mustafahmed@hotmail.com


تاريخ النشر: 1 يوليو,2020

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/389051

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014