السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب : قابوس يعيد بناء الذاكرة العمانية

رحاب : قابوس يعيد بناء الذاكرة العمانية

تتراءى أمامي مشاهد مهيبة، من بينها لحظة زيارة مفاجئة لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ إلى المدرسة السعيدية بالحصن بصلالة في مستهل العام الدراسي 1973م ثم زيارته إلى مدرسة البيوت الشعبية التي انتقلنا للدراسة فيها في نفس العام الدراسي 1973/1974؛ بجوار قصر الرباط من جهة الشرق، كانت المدرسة مبنية من الطابوق والصفيح، وساحتها مفروشة بالحصى؛ تطل على مزارع وبساتين، كانت بسيطة في شكلها وهيكلها ولكنها كانت صرحا تعليميا شامخا في عقولنا، فقد مكنتنا أن نحصل على كأس التفوق الدراسي على مستوى مدارس المنطقة الجنوبية( ظفار) في تلك الفترة، واستطاعت تلك المدرسة المتواضعة في شكلها العملاقة في رؤيتها أن تثير فينا الحماس والطموح وأن تجعلنا نفكر بالمستقبل، كنا نحن تلاميذها نتعهدها يوميا بالنظافة وإدارة النظام فيها؛ كنا يومها في المرحلة الابتدائية، و وفجأة تزاحمت سيارات الموكب السامي في تلك البقعة الصغيرة في مساحتها العملاقة في أهميتها، ترجل جلالته من سيارته الخاصة يتقدم مرافقيه بشجاعة واندفاع؛ كم نحن مهمون في عقل القائد، لقد خرجنا ونحن نهتف بحياته ونصفق لحضوره ونهزج وننشد الأناشيد، أشعر الآن وأنا أستعيد ذلك المشهد بعد أكثر من أربعين عاما كما لو أن المستقبل والماضي التقيا هكذا فجأة في تلك اللحظة، كنا مبهورين. وطاف المعلم القائد بالصفوف وبمعيته الفاضل الأستاذ عوض بن عيسى محفوظ الشيخ -مدير المدرسة يومئذ-ومعه المعلمين الوافدين الذين كانوا يعلمون في المدرسة. تفقد جلالته تلك المدرسة الصغيرة على عجل واطمأن أن الطلاب يتلقون التعليم الذي كان شغله الشاغل، كان تاريخ جديد يُصنع على عينه وبصيرته وبرؤيته، وكانت لبنات ذاكرة وطنية تُبنى، ووجدان حي يتبلور في تلك اللحظات، وعبر تلك الأيام، كانت تلك الملحمة تتزامن مع جهود أسطورية؛ لتأسيس المدارس والخدمات والتجمعات السكنية عبر طائرات الهيلوكوبتر التي كانت تنقل الكراسي والخيام والكتب والمعلمين إلى المناطق النائية لفتح المدارس، كان هناك ماراثون للتعليم تتسابق فيه السفن والطائرات العسكرية والسيارات ذات الدفع الرباعي والدواب والبشر ولم يكد عقد سبعينيات القرن الماضي ينتهي حتى كانت كل بقعة في عمان فيها مدرسة وعيادة ومسجد ومركز لأمن الأرياف أو الشرطة أو على الأقل حراس مدنيين، أمن وأمان وتعليم واستقرار. وبعد سنوات من تلك الفترة صرت عاشقا للقراءة فإذا بي أحصل على نسخة من حصاد ندوة الدراسات العمانية بمجلداتها الكثيرة والتي استضافت باحثين من أقطار الأرض جميعا لإحياء الذاكرة العمانية وترميمها، ونفض الغبار عنها. بدأت اقرأ عن علاقات عمان بالشرق والغرب وعن الأدب العماني وتمازج التراث العماني مع جميع أصقاع الأرض، كانت الذاكرة تنبت من جديد لتعطي هوية وتعزز تقدير المواطن العماني لذاته، وصارت خريطة الإمبراطورية العمانية تتموضع في عقولنا ثم أصبحنا لاحقا نشارك في مسابقات أوائل الطلبة فنتنافس على تذكر الأحداث العظيمة في عمان إبان مجان ومزون ومرورا بالإمبراطورية العمانية وعبقرية الخليل بن أحمد الفراهيدي وأحمد بن ماجد، ونشر العمانيين لحضارتهم وثقافتهم في شرق أفريقيا وحتى الصين والهند وإندونيسيا. كبرنا وكبرت معنا أحلامنا، وأدركنا لاحقا أن الذاكرة يمكن أن يصنعها المعالجون العظماء لمشاكل شعوبهم.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى