الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / من يدمر الإعلام؟!

من يدمر الإعلام؟!

” هذا الأسبوع انتشر على الانترنت بشكل “فيروسي” فيديو مفبرك لطفل يحاول إنقاذ طفلة وسط القصف في سوريا وتضخمت مواقع التواصل الاجتماعي بالتعليقات الصارخة ضد “لا إنسانية” النظام السوري وبعض الأصوات الخافتة التي تشير إلى أن مكان التصوير يتبع الحكومة وليس المعارضة فلا بد أن يكون القصف من قوات المعارضة، إلى أن اتضح أن الفيديو كله مفبرك.”
ـــــــــــــــــــــ
قد يبدو السؤال أنه نتاج تحليلات وتفسيرات تستند إلى نظرية مؤامرة، لكن قبل القفز إلى نتائج سريعة لنستعرض سريعا بعض الملاحظات في الأسابيع الأخيرة. حين تتورط منافذ إعلامية عالمية كبرى في نشر خبر حول فيديو أو صورة ملفقة منقولة من مواقع التواصل الاجتماعي على الانترنت، فمن الطبيعي ان تعتذر حين تكتشف الخطأ وتسعى للتدقيق أكثر بعد ذلك حفاظا على المصداقية. كان هذا وما زال هو العرف بالنسبة لمنافذ الإعلام الرئيسية التي تتمتع بمصداقية في نقل الأخبار والمعلومات. وهذا ما جعلها ـ حتى الآن ـ تظل مصدرا أساسيا للمعلومات والأخبار رغم الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي واستخدامها من قبل عدد متزايد من متصفحي الانترنت كمصدر للمعلومات والأخبار. فما زال كثيرون لا يثقون في خبر على مواقع التواصل الاجتماعي إلا إذا كان مصدره موقع إعلامي رئيسي معروف ويعتد به.
وغالبا ما تكرر في الآونة الأخيرة أن يتم تدوير خبر مستند إلى صورة مفبركة أو فيديو مفبرك حتى يصل إلى وسيلة إعلام رئيسية فتنشره، وبعد ذلك تعتذر عنه حين ينكشف التلفيق فيه. لكن الضغوط المالية التي تتعرض لها وسائل الإعلام التقليدية وخططها في إعادة الهيكلة وتقليص الكفاءات ومتطلبات وكالات الإعلانات أدت إلى تراخي تقاليد ميزت تلك المنافذ وحافظت على مصداقيتها. أضف إلى ذلك أن تنافس وسائل الإعلام التقليدية بمواقع لها على الانترنت أدى إلى “استسهال” كبير في المعايير والضوابط المهنية والسعي وراء الإثارة بهدف زيادة عدد الزيارات لمواقعها حتى لو على حساب المصداقية والقيمة. ومن شأن ذلك بالطبع أن تتسرب أخبار وشائعات مواقع التواصل الاجتماعي والصور والفيديوهات المفبركة إلى منافذ الإعلام التقليدية ولا تعتذر عنها إلا في حالات قليلة، حين يتطور الأمر إلى “فضيحة” مثلا.
منذ بدايتها، كانت الحرب في سوريا أرضا خصبة للتلفيق والفبركة والمغالطات لأهداف محددة، وغالبا ما “بلع” الإعلام تلك الدسائس وروجها على أنها حقائق ـ أحيانا بخبث لأغراض سياسية تتعلق بموقف المنفذ الإعلامي ومن يموله ويقف وراءه، وأحيانا أخرى نتيجة ضعف مهني و”جريا وراء الأحداث” دون تدقيق أو تمحيص. ولم يسلم من الأمر حتى منظمات دولية كتلك الصورة الشهيرة التي بثها موقع تابع للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ونقلتها وسائل إعلام تقليدية رئيسية، ليعلن بعد ذلك أنها كانت حيلة دعائية. وبررت وسائل الإعلام التقليدية اعتمادها على فيديوهات وأخبار الانترنت حول الحرب في سوريا بأن الوصول إلى مناطق الأخبار متعذر، رغم انه واضح أن بإمكان الصحفيين الذهاب إلى سوريا وحتى إلى مناطق القتال. لكنه الاستسهال من ناحية، والغرض والموقف السياسي من ناحية أخرى. ومع خصوبة الكذب والتلفيق في الشأن السوري فإن قضايا أخرى لم تسلم من تلك الحيل والخدع الدعائية التي تتلقفها وسائل إعلام تقليدية فتعطيها مصداقية لا تستحقها.
هذا الأسبوع انتشر على الانترنت بشكل “فيروسي” فيديو مفبرك لطفل يحاول انقاذ طفلة وسط القصف في سوريا وتضخمت مواقع التواصل الاجتماعي بالتعليقات الصارخة ضد “لا انسانية” النظام السوري وبعض الاصوات الخافتة التي تشير إلى أن مكان التصوير يتبع الحكومة وليس المعارضة فلا بد أن يكون القصف من قوات المعارضة، إلى أن اتضح أن الفيديو كله مفبرك. لكن وسائل إعلام رئيسية تقليدية وبعضها عالمي كان قد نشر الفيديو وحين اكتشفت فبركته قامت تلك النافذ بعمل قصة حول الفبركة .. وكأنها تغطي على نقل أخبار الانترنت دون تحقق، وحاولت زيادة متابعة الجمهور حتى على اكتشاف التلفيق. وان كان الفيديو عن سوريا يجعل المسألة تقع ضمن “حالة” عامة في الإعلام تتعلق باعتماد الانترنت مصدرا، فإن خبر محاولة اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله كان “الطامة الكبرى” حقا.
قامت مجموعة، ربما تكون مرتبطة بالحزب، بفبركة قصة محكمة عن محاولة إسرائيلية فاشلة لاغتيال نصر الله عند ظهوره العلني في آخر أيام عاشوراء. وامتلأت القصة بتفاصيل عن أجهزة رادار روسية في جبل الشيخ متصلة بقبعات الحرس الشخصي لنصر الله رصدت تحرك الطائرات بدون طيار الإسرائيلية التي كانت ستستهدف الأمين العام لحزب الله بصاروخ. وزيادة في الحبكة، أشارت القصة إلى مجموعة من القوات الخاصة الاسرائيلية باسمها العبري تعترف فيه بفشل المحاولة. ومرة أخرى “فارت” الانترنت بالتعليقات وتدوير القصة، بل والتقطتها مواقع اخبارية وتعاملت معها على أنها سبق. وحين كشف الشباب الذي فبرك القصة أنه كان يستهدف “اختبار مصداقية الإعلام” لم يهتم أحد بالاعتذار أو حتى نشر ما يفيد أنها قصة مفبركة.
صحيح انه ما زالت هناك منافذ إعلامية تقليدية تدقق فيما تنقله من الانترنت، وبعضها وضع معايير صارمة لصحفييه بهذا الشأن، لكن ذلك قد تراجع في السنوات الأخيرة. ولا يعود السبب إلى صعود انتشار مواقع التواصل الاجتماعي فحسب، بل هناك عوامل عديدة أخرى قد تسهم في الإجابة على سؤال العنوان نعرض لها في مقالات قادمة بإذن الله.

د.أيمن مصطفى
كاتب صحفي عربي

إلى الأعلى