الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ

كان

أ.د. محمد الدعمي

”الحق أقول، فإننا قد تربينا في دورنا، ثم نشأنا في مدارسنا وجامعاتنا ونحن نلقن بأننا “كنا”. الفعل الناقص “كان” خدم إدانة لنا منذ بداية ما يسمى بالنهضة الثقافية العربية الإسلامية في القرن التاسع عشر، حيث توفي أساطينها، من الطهطاوي إلى الأفغاني، دون أن يتركوا لنا ما يدل على التمييز بين القومي والديني، االعربي والإسلامي. لماذا، إذاً، نبقى نتشبث بالفعل “كان” وإلى متى؟”
ـــــــــــــــــــــــــــ
عصفت أخبار العالم النرويجي الذي وصل العراق قبيل منتصف السبعينيات من القرن الماضي بآنية الإعلام والصحافة العراقية وربما العربية، لأن هذا “النرويجي”، وليس العراقي، قرر أن يبرهن على أن السومريين هم أول من وصل إلى القارتين الأميركيتين باستخدام حزم البردي التي تنبت طبيعيًّا في أهوار جنوب العراق لبناء “سفينة سومرية” على سبيل تكرار تجربة السومريين. على كل حال، لم تصمد سفينة صاحبنا طويلاً إذ تحطمت بعد إبحارها من البصرة بفترة قصيرة.
استذكرت الحادثة التي تسببت بشعور عراقي شامل بالاعتداد بالنفس، برغم أن هذا الاعتداد لم يدم طويلاً، وأنا أتأمل إعلان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، خلال الأيام القليلة الماضية أن “المسلمين”، دون تحديد عنصر أو قومية (أتراك أو عرب أو بربر أو أفارقة) هم أول من وصل إلى أميركا قبل كولومبس بثلاثة قرون، بدليل أنهم بنوا جامعاً على التلال المطلة على المحيط في كوبا. هو، لهذا، يريد الإعلان عن إعادة بناء الجامع حال تبلور زيارته المتوقعة لكوبا في القارة الأميركية.
ليس هذا الخبر بمهم جداً، فربما تداولته وسائل الإعلام الأميركية تشبثاً بالجديد أو بالغريب، وربما تندراً، ضمن “الأخبار المنوعة”.
إننا إذا ما برهنا أن المسلمين أو السومريين قد وصلوا أميركا قبل قرون، فما الفائدة المرجوة من ذلك. بلى، وصلوا قبل كولومبس؛ ولكن ما الذي تركوه في العالم الجديد من منجزات لها معنى ودلالة اليوم؟ على المرء أن يلاحظ بأن وصول السومريين أو المسلمين أميركا قبل قرون عديدة من اكتشاف كولومبس “العالم الجديد” إنما هو إدانة لنا، سومريين ومسلمين، اليوم لأننا بدرجة من النكوص والتراجع عما أنجزه أجدادنا، أننا لا نملك أن ندخل أية دولة في القارتين الأميركيتين إلا “بتأشيرة دخول”، بينما يدخل الأميركيون، يهوداً ومسيحيين ومسلمين، مطاراتنا معززين مكرمين بمجرد حملهم للجوازات الأميركية! أليست هذه إدانة لنا؟ أيها الأخوات والإخوة: اكتشفنا الأميركيتين قبل كولومبس بقرون ولكننا لم نترك أثراً، لا ثقافياً ولا حضارياً، يدل على ذلك، لم نترك منجزاً يفيد بأن قوماً متحضرين وصلوا أميركا قبل سواهم: فلا يوجد شارع أو ولاية، مدينة أو قرية تحمل عناوين مثل “أور” أو “أكد”، “بابل” أو “أزمير” عبر القارتين العملاقتين اللتين تكونان “العالم الجديد”. اكتشفنا هذا العالم، ولم نستثمره قط. لذا حذفتنا كتب التاريخ الأميركية من مفرداتها، وإذا ذكرت افتراضات كتلك التي أتى بها الرجل النرويجي أو سواه، فإنها تذكر على سبيل “التفكه” وربما تلطيف الأجواء بــ”الغريب” و “اللا معقول” من الأخبار.
والحق أقول، فإننا قد تربينا في دورنا، ثم نشأنا في مدارسنا وجامعاتنا ونحن نلقن بأننا “كنا”. الفعل الناقص “كان” خدم إدانة لنا منذ بداية ما يسمى بالنهضة الثقافية العربية الإسلامية في القرن التاسع عشر، حيث توفي أساطينها، من الطهطاوي إلى الأفغاني، دون أن يتركوا لنا ما يدل على التمييز بين القومي والديني، االعربي والإسلامي. لماذا، إذاً، نبقى نتشبث بالفعل “كان” وإلى متى؟
إذا كان البابليون قد صنعوا أول نضيدة كهربائية، وإذا كان الحسن بن الهيثم أول من وضع قوانين الفيزياء الضوئية، وإذا كان جابر بن حيان الكوفي قد أسس علم الجبر: لماذا إذاً نبتعث إلى العالم الخارجي لدراسة الكهرباء والفيزياء والرياضيات؟

إلى الأعلى