الخميس 13 أغسطس 2020 م - ٢٣ ذي الحجة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / أنموذج العدالة الجنائية العماني فـي مواجهة الإرهاب«1-2»

أنموذج العدالة الجنائية العماني فـي مواجهة الإرهاب«1-2»

محمد بن سعيد الفطيسي

«.. وقد وجد جلالة السلطان قابوس ـ طيب الله ثراه ـ أن الظاهرة الإرهابية إنما هي ظاهرة أيديولوجية وفكرية أكثر مما هي ظاهرة سياسية وأمنية، واعتبر أن الجهل وقلة التوعية وضعف التعليم والظروف الاقتصادية إنما هي الدوافع الرئيسية لاستفحال هذه الظاهرة..»
عند الحديث عن مكافحة الإرهاب وطرق مواجهته، يتبادر للذهن عدد من الخيارات المعروفة على المستوى الدولي، فإما أن تعمل الدولة وتنتهج أسلوب القوة أو ما يطلق عليه بأنموذج الحرب في مكافحة الإرهاب، أو أن تختار أسلوب القانون أو العدالة الجنائية وهو نظام ممارسات ومؤسسات قانونية وتشريعية.
ويصف أنصار نظرية القانون الطبيعي مخالفة العدالة الجنائية والخروج عليه بالظلم، وأن العدالة برأيهم حق طبيعي للجميع بلا استثناء، فيما يرى أنصار نظرية المصلحة الاجتماعية أن المصلحة العامة للجماعة هي التي تحدد معايير وأسس العدالة الجنائية”(1 ) وقد تأكدت فائدة هذا الاتجاه في تشريع العفو الذي طبقته لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب إفريقيا، والذي تطلب من المتقدمين بطلبات العفو أن يقنعوا اللجنة بأنهم تصرفوا انطلاقا من دوافع سياسية (2 ).
وتعالج مقاربة العدالة الجنائية الإرهاب على اعتبار أنه شكل من أشكال الإجرام، بالتالي فإن الجرائم المنبثقة عن السلوك أو الفعل الإرهابي هي جرائم يجب أن يتم معالجتها في إطار القانون والعدالة الجنائية وحدهما، ولا يجب إعطاء هذه السلوكيات والأفعال المساحة والاهتمام المبالغ به، على اعتبار أن هذه النظرة تمجد العمل والفعل الإرهابي وتعطي الإرهاب والإرهابيين مكانة ومنزلة يمكن أن تكون لها ردة فعل عكسية وسلبية على مختلف أطراف العلاقة، المجتمع والدولة أو حتى على الإرهابيين أنفسهم.
ويساعد أنموذج العدالة الجنائية لمكافحة الإرهاب على “تعزيز ملاحقة الأفراد المتورطين في أعمال إرهابية أمام القضاء وإدانتهم وفقا للإجراءات المقررة قانونا. كما يسهم في تحقيق تناسق النصوص القانونية وعدم تضاربها والتي تطبقها مختلف المحاكم الوطنية، مما ييسر التعاون الدولي. وبالمقابل، تبين أن التساهل في موضوع حقوق الإنسان يؤدي إلى تآكل سيادة القانون وإلى تقويض فعالية أي تدبير لمكافحة الإرهاب. والمجتمع كما يهمه عقاب المتهم والقصاص منه حال ثبوت الجرم في حقه، يهمه أيضا ألا يطول العقاب بريئا”(3 )
عليه، فإن بقاء وحصر المعالجات التي يتم من خلالها مكافحة جرائم الإرهاب والظاهرة الإرهابية عموما في إطار القانون هي في حد ذاتها ستبطل مشروعية الإرهاب التي ينادي بها معظم قادة التنظيمات الإرهابية وحتى الذئاب المنفردة(4 ) على أساس أن تصرفاتهم وأفعالهم الإرهابية لها دوافع سياسية وأيديولوجية. وبمعنى آخر، أن “التشديد على الطبيعة الجنائية للأعمال الإرهابية يمكن أن يقوض مزاعم الإرهابي بأنه يعمل باسم غاية أعلى، وتجرم الوسائل التي يحقق بها هذه الأهداف الأعلى المفترضة” (5 )
وتعد سلطنة عمان “من أقل دول مجلس التعاون الخليجي تعرضا للعمليات والتهديدات الإرهابية القائمة والمحتملة حتى منتصف العام 2020م، حيث حصلت على مراكز متقدمة في مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب(6 ) وغياب انخراط أبنائها في التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود الوطنية، وعدم انضمامها للتشكيلات الإقليمية والتحالفات الدولية ضد الإرهاب”( 7).
كما اعتمدت في مواجهتها للظاهرة الإرهابية عموما والتعامل مع التنظيمات الإرهابية على وجه الخصوص، سواء كان ذلك قبل أحداث 11 سبتمبر أو حتى بعد تلك الأحداث على مقاربة فكرية أطلق عليها في ما بعد من قبل بعض الباحثين في هذا المجال بفلسفة جلالة السلطان قابوس بن سعيد لمكافحة الإرهاب، والتي تقوم على خليط من أنموذج العدالة الجنائية والسياسة اللينة بشكل رئيسي مع أنموذج الحرب بشكل استثنائي ولكن دون مواجهة مباشرة.
وقد وجد جلالة السلطان قابوس ـ طيب الله ثراه ـ أن الظاهرة الإرهابية إنما هي ظاهرة أيديولوجية وفكرية أكثر مما هي ظاهرة سياسية وأمنية، واعتبر أن الجهل وقلة التوعية وضعف التعليم والظروف الاقتصادية إنما هي الدوافع الرئيسية لاستفحال هذه الظاهرة، وإن كانت كذلك فإن التعامل معها لا يمكن أن ينبثق إلا من خلال معالجة تلك العوامل أولا.
وفي هذا السياق قال ردًّا على سؤال لجريدة “الحياة” اللندنية حول دعوة السلطنة في أكثر من مناسبة إلى تكثيف الجهود الدولية لمواجهة التطرف الديني ورؤية السلطنة لأسباب هذه الظاهرة وسبل علاجها.. قال جلالة السلطان قابوس ـ طيب الله ثراه: “إن هذه الظاهرة إنَّما تغرر بصغار العقول ومن عنده فراغ ثقافي أو ديني. وأضاف جلالته ـ رحمه الله: “إنني أعتقد أنَّ الأجهزة المعنية في كل الدول يجب أن تقوم بواجبها لتوضيح الأمور والتوجيه السليم لمثل هؤلاء الناس الذين لا يفهمون الفهم الصحيح” ( 8)

* المصدر الأصلي للمقال.. دراسة محكمة نشرت لي تحت عنوان: مكافحة الإرهاب بين أنموذج العدالة الجنائية وأنموذج الحرب – قراءة في العقلية العمانية والأميركية لمكافحة الإرهاب – قبل وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. مجلة الباحث الأكاديمي في العلوم القانونية والسياسية. المركز الجامعي بأفلو/الأغواط، الجزائر، ع (4) – مارس 2020م.
ــــــــــــــــــــ
مراجع
1 ـ – محمد الأمين البشري، العدالة الجنائية ومنع الجريمة، الأكاديميون للنشر والتوزيع، الأردن/عمَّان، بدون ط/2014م
2 ـ – انظر في هذا السياق أدوات سيادة القانون لدول ما بعد الصراع – لجان الحقيقة – مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، نيويورك وجنيف/ 2006م
3 ـ – د. ماجد أحمد الزاملي، قراءة في كتاب العدالة الجنائية لأجل مكافحة الإرهاب في ضوء المعايير القانونية لحماية حقوق الإنسان، موقع الحوار المتمدن
4 ـ – الذئاب المنفردة هم “أشخاص يقومون بهجمات بصفة منفردة، من دون أن تربطهم علاقة واضحة بتنظيمٍ ما. حيث يقوم الشخص أو الأشخاص بالتخطيط والتنفيذ ضمن إمكاناتهم الذاتية من دون أن يكون هناك ارتباط تنظيمي. وأغلب الأشخاص المنفذين لعمليات كهذه يكونون من الشخصيات السويّة والاعتيادية التي لا تبعث على الشك في سلوكها وحركتها اليومية” راجع: د. محمود البازي، الملاذ الأخير لداعش – الذئاب المنفردة – مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، ع (456)- فبراير/ 2017م
5 ـ – رونالد كريلينستن، مكافحة الإرهاب، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، أبوظبي/دولة الإمارات، ط1/2011م
6 ـ – حصلت سلطنة عمان على درجة 0 في مؤشر الإرهاب العالمي خلال الفترة من 2014 – 2019م، انظر المؤشر الأخير للعام 2019م على الرابط:http://visionofhumanity.org/app/uploads/2019/11/GTI-2019web.pdf
7 ـ – سلطنة عمان، تطوير الأساليب والجهود لمحاربة الإرهاب، المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ المانيا وهولندا, تاريخ النشر 8/5/2018،تاريخ الدخول 26/1/ 2020م على الرابط: https://www.europarabct.com/45247-2/
8 ـ – حديث السلطان قابوس بن سعيد “طيب الله ثراه” لصحيفة الحياة (لندن) مايو 1986، نقلا عن: جريدة عمان بتاريخ 29 مايو 1986م، راجع: ناصر أبو عون، موقع صحيفة أثير الإلكترونية، مواجهة الإرهاب الدولي بين نظرية السلطان قابوس وخطة أوباما، تاريخ النشر 14 / 9 / 2014م، تاريخ الدخول 21 / يناير / 2020م، على الرابط : https://www.atheer.om/archives/18609/

محمد بن سعيد الفطيسي
باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
azzammohd@hotmail.com
@MSHD999

إلى الأعلى