الجمعة 14 أغسطس 2020 م - ٢٤ ذي الحجة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / رحاب : عقلية «بيشوفوا»!

رحاب : عقلية «بيشوفوا»!

أحمد المعشني

كنت جالسًا مع مدير فرع ذلك البنك، وكنا منهمكين في مناقشة موضوع ما، وكان معنا في المكتب أكثر من عميل، وكان باب المكتب مفتوحًا.
وفجأة دخل شاب في الثلاثينيات من العمر، علمت لاحقًا أنه كان صاحب مشروع، واستقبله مدير الفرع كأي مراجع عادي، لكن الشاب قال بنبرة غضب لتأكيد ذاته: والله سيأتي اليوم الذي يجعلك تخرج إلى باب البنك لاستقبالي! وكان يقصد بأن معاملة المدير للناس مبنية على حجم أرصدتهم النقدية في البنك.
لم أنسَ ذلك الموقف بالرغم من مرور سنوات طويلة، لأن الشاب الطموح تعثر في مشروعه وأخفق إخفاقًا ذريعًا، ثم ما لبث أن أغلق المشروع لسنوات وبالرغم من استئنافه لنشاط مشروعه بعد ذلك بسنوات فإنه لا يزال حتى هذه اللحظة متعثرًا.
وفي هذا السياق أتذكر شابًّا يتمتع بذكاء حاد، وثقافة واسعة، ويحمل شهادة ماجستير من دولة أجنبية وكان يعمل في مؤسسة حكومية مرموقة جدًّا وبوظيفة معتبرة، لكنه ترك وظيفته وتقاعد مبكرًا، وانخرط في إنشاء شركة مقاولات كبيرة، جذبت إليه أموال عدد كبير من المساهمين ممن كانوا يثقون فيه وفي مستواه العلمي، وفي ذات يوم جمعتني به ظروف مودة وألفة على مائدة إفطار صباحي، بحضور بعض الأصدقاء والزملاء، وكان يتكلم بحنق عن أرباب الأموال، ويتوعد بأنه سيأتي اليوم الذي يجعل رأسه برأسهم.
اجتهد ذلك الشاب، وبذل جميع ما لديه من مال وجهد ومواهب، لكن الشركة تعثرت وخرج مديونًا بمبالغ طائلة جعلته يهاجر إلى خارج السلطنة لسنوات.
أما الموقف الآخر من مواقف كثيرة مماثلة فكان لشركة قامت للانتقام من شركة مساهمة عامة، وجمعت المؤسسين والمساهمين على أساس قبلي وعصبي من غير مراعاة لمعيار الكفاءة والدراية والخبرة، وتدافع كثير من المساهمين وأحضروا ما لديهم من أموال من أجل تركيع تلك الشركة التي أهانتهم ورفعت عليهم أسعار السلع بدرجة مبالغة، وعندما حاوروا رئيس الشركة خاطبهم بكبرياء وقال في غيابهم: سيشترون رغمًا عنهم بالسعر الذي نحدده!! وبناء على ذلك الموقف الانفعالي أنشئت تلك الشركة المنافسة بملايين الريالات لتنافس شركة قائمة في سوق محدود الحجم، ولم تختر أعضاءها أو إدارتها وفقًا للكفاءة وإنما لاعتبارات عصبية وقبلية، ولم تنجح أي من الشركتين مطلقًا، أكثر من عشرين عامًا تعيش الشركتان في غرفة الإنعاش! ما السبب؟ السبب هو روح الانتقام المتمثلة في عبارة (بيشوفوا) و(بوريهم) وتعني سوف أذيقهم الويل والهوان، وسيكونون صاغرين.
هذه الروح الاستئسادية تعرض صاحبها للانهيار، سواء في مجال الأعمال أو في مجال المنافسة، لأنها تجسد قانونًا من قوانين الطاقة، وهو قانون العاقبة الأخلاقية (الجزاء من جنس العمل).فكل صعود فردي أو مؤسسي يبنى على الانتقام والتعالي سيكون مآله الفشل الذريع، لأنه سيبنى على قوة (الأنا) التي تحركها النرجسية وعقلية الكبرياء المبنية على التحكم والسيطرة بدلًا من التوافق والوئام.
لذا فمن الأهمية جدًّا، أن نلتفت إلى الطاقة الروحية والأخلاقية لكل تجربة أو مشروع أو مسعى لتحقيق النجاح. وعندما ننسجم مع ذاتنا العليا المتآلفة مع الفطرة والأخلاق وتتضافر الجهود وتتصافى النفوس، فإن ذلك سيتيح لها رحابة الذكاء الروحي والتناغم الكوني.

د.أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى