الخميس 13 أغسطس 2020 م - ٢٣ ذي الحجة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الأولى / رئيسة وحدة الطب النفسي الجسدي بالمستشفى السلطاني: أزمة فيروس كورونا أصبحت وباء عالميا والتعاون المجتمعي والمسؤولية الفردية سيجعلان الناس يعيشون هذه الخبرة بألم نفسي وفقدان وحزن أقل
رئيسة وحدة الطب النفسي الجسدي بالمستشفى السلطاني: أزمة فيروس كورونا أصبحت وباء عالميا والتعاون المجتمعي والمسؤولية الفردية سيجعلان الناس يعيشون هذه الخبرة بألم نفسي وفقدان وحزن أقل

رئيسة وحدة الطب النفسي الجسدي بالمستشفى السلطاني: أزمة فيروس كورونا أصبحت وباء عالميا والتعاون المجتمعي والمسؤولية الفردية سيجعلان الناس يعيشون هذه الخبرة بألم نفسي وفقدان وحزن أقل

- التباعد الاجتماعي هو ببساطة تجنب التجمعات والاتصال الوثيق بالآخرين
- فزع الناس من كورونا ينبع من أن الإنسان يخاف مما يجهله أكثر من الأمر الذي يعرفه
- الجانب النفسي وأثره العظيم فـي التخلص من التفكير السلبي بفيروس كورونا «كوفيد ـ 19» وتبعاته النفسية

جميلة هي الدعوات التي من شأنها الحث على الاستمرار في عملية التباعد الجسدي وغسل اليدين لمدة لا تقل عن 20 ثانية، والجلوس في المنازل قدر الإمكان، والتباعد المجتمعي، والتقليل من تجمعات الأهل والأصدقاء قدر الإمكان. كل هذه الدعوات من أجل أن تفادي الإصابة بفيروس كورونا (كوفيد ـ 19) والذي ما زال مستمرًّا في الانتشار بشكل أكبر وأسرع عن السابق، في المقابل هناك جانب آخر له قدرة عجيبة على تغيير مسار مفهوم القلق والتوتر والخوف المصاحب له في ظل الظروف الراهنة، ألا وهو الجانب النفسي وأثره العظيم في التخلص من التفكير السلبي بالفيروس وتبعاته النفسية.
على ضوء هذا تحدثت الدكتورة نوال بنت ناصر المحيجرية ـ طبيبة نفسية، تخصص دقيق الطب النفسي الجسدي ورئيسة وحدة الطب النفسي الجسدي بالمستشفى السلطاني (مدربة معتمدة في مهارات التواصل والذكاء العاطفي)، قائلة: إن العالم ما زال يحاول إيجاد حلول للعودة الى الحياة الطبيعية لتجنب نقل عدوى فيروس كورونا، واي تحدٍّ يواجه البشرية يسهم بشكل أو بآخر في تعزيز المرونة النفسية وهي القدرة على تغيير المواقف والإجراءات الواجب اتخاذها عند ظهور أحداث جديدة أو غير متوقعة، وتتيح هذه المهارة التعامل بسهولة أكبر مع الأزمات والمواقف الصعبة، دون الحاجة إلى فترات طويلة من الزمن.
وأضافت: المناعة النفسية التي سيكتسبها الفرد والمجتمع مع أي أزمات وأحداث جديدة في حياته ستكسبه أمورًا صحية بشكل عام وتعلمه الحفاظ على الصحة الشخصية، كما ستعلمه المسؤولية تجاه المجتمع، وكيفية التعامل الإيجابي مع الأزمات، كذلك تعلم المرونة الإيجابية مع تغير الروتين في الحياة وأوقات الفراغ، والزهد في الأمور التي اعتاد الأفراد عليها واختفت مع وضع الطوارئ.
وأشارت المحيجرية في حديثها الى أن أزمة فيروس كورونا أصبحت وباءً عالميًّا، والتعاون المجتمعي والمسؤولية الفردية سيجعلان الناس يعيشون هذه الخبرة بألم نفسي وفقدان وحزن أقل، وبالمقابل سيشعرون بالفخر لما أظهروه من إيثار ومسؤولية، موضحة أن هناك مثلًا يابانيًّا يقول: (الأزمات فرص)، وهذه الأزمة هي فرصة لتعلم قيم مهمة للنسيج المجتمعي.
وأضافت: أعتقد أنه بعد انتهاء الفيروس ستكون مناعة الناس النفسية أعلى، نحن اليوم نستلهم الشجاعة من الأزمات التي مررنا بها سابقًا، لكل مجتمعات أزماتها الخاصة، والأزمات تجعل الفرد والمجتمع أقوى وتظهر صفات المجتمع الحسنة من التطوع والتعاون والمسؤولية المجتمعية، وأنا أرجح أن هذه الأزمة ستجعل المجتمعات أفضل بعد حين، حيث سيتعلم الحفاظ على الهدوء الشخصي، وتقديم العناية اللازمة للأشخاص المحيطين، ونحن نستخدم هذه المهارة بالفعل في حياتنا اليومية، عندما نتعامل مثلًا مع تغييرات تحدث في برنامج العمل في اللحظة الأخيرة، أو أن تحتاج إلى تغيير ساعات العمل عندما يكون أحد الأولاد مريضًا مثلًا، أو الحاجة إلى إعادة ترتيب الأولويات أثناء الفترات الانتقالية، كفترة ترك الوظيفة عندما لا تكون هناك بدائل أخرى متاحة، حيث إن الحفاظ على عقلية مرنة وتحسينها سيكون مهارة حاسمة بالنسبة لنا، كبديل للوقوع في اليأس والقلق المزمن. مشيرة الى أنه من الملاحظ تسجيل ارتفاع في نسبة حالات المصابين من العمانيين بالفيروس من الأسرة الواحدة، وفي الوقت ذاته هناك عدم قدرة على السيطرة على الصحة النفسية، وفي هذا السياق بداية من المهم أن نفهم: لماذا يثير موضوع كورونا الفزع بين الناس؟ فهناك بعض الأشخاص ذوو شخصيات قلقة أصلًا، فهؤلاء سيتفاقم القلق جليًّا لديهم في زمن كورونا، أنا شخصيًّا أتلقى اتصالات هاتفية ويزورني أشخاص في عيادتي لديهم أساسًا وسواس قهري وقلق صحي متعلق بالأمراض في ظل وجود الفيروس في الأجواء، وكأنه أصبح محفزًا لظهور أعراض وسواسية أخرى، وإلى جانب الشائعات والتهويلات فإن فزع الناس من كورونا ينبع من أن الإنسان يخاف مما يجهله أكثر من الأمر الذي يعرفه، وهناك نسبة من الغموض والمجهول في مرض كورونا تثير التوجس لدى الناس، لا يتوتر الناس لخشيتهم من الموت أو الضرر الجسدي فقط، بل أيضا لخشيتهم من التعطل عن العمل والانعزال والاستبعاد الاجتماعي إن أشيع أنه مريض أو محجور صحيًّا، فيخاف من خسارة وظيفته ويخشى أن يكون مصدرًا للعدوى، فيقوم بعضهم بالتنصل من الحجر الصحي مثل، هذا بالإضافة للآثار المترتبة من التباعد الاجتماعي على الأفراد لتفهم ردود أفعالهم.
وأوضحت المحيجرية بأن التباعد الاجتماعي هو ببساطة تجنُّب التجمعات والاتصال الوثيق بالآخرين، ويعتبره الخبراء في مجال الصحة أمرًا بالغ الأهمية لإبطاء وتيرة انتشار الفيروس، وتفادي إرهاق نظم الرعاية الصحية، وربما حمايتها من الانهيار في حالة ارتفاع معدلات الإصابة إلى مستوى لا يمكن التعامل معه بكفاءة، ولكن كيف يمكن التكيف مع هذا الظرف الطارئ مع تجنُّب أي آثار سلبية على النفس أو المجتمع؟
وتجيب الدكتورة نوال بأن إحدى الدراسات العلمية التي أجريت حول التباعد المجتمعي، أوضحت بأنه فيما يتعلق بالآثار السلبية التي قد يسببها التباعد الاجتماعي تجاوبًا مع جائحة فيروس كورونا المستجد أولًا: قد يؤدي ذلك إلى تفاقم الأمور بالنسبة لأولئك الذين يعانون فعليًّا من مشاعر العزلة والوحدة، ولكن في المقابل قد يكون نقطة تحفيز الآخرين على التواصل المجتمعي، حيث قد يكون الاحتمال الأكثر تفاؤلًا هو أن الوعي المتزايد بطبيعة الوباء سيدفع الناس إلى البقاء على اتصال واتخاذ إجراءات أخرى إيجابية. ومن المهم جدًّا أن نستوعب بأن هناك تنوعًا هائلًا في قدرة الناس على التعامل مع العزلة الاجتماعية والشعور بالتوتر، حيث إنه من المهم أن نتذكر أنه ليس كل من يخوض الأزمة الحالية يكون بمستوى الصحة العقلية ذاته، والشخص الذي يعاني بالفعل من مشكلات مع القلق الاجتماعي والاكتئاب، والشعور بالوحدة أو غيرها من المشكلات الصحية سيكون أكثر عرضة للتأثر بإجراءات التباعد الاجتماعي على نحو سلبي والناس من جميع الأعمار معرضون للآثار السيئة للعزلة الاجتماعية والوحدة، وهنا أؤكد على ضرورة تآزُر الأسر في مثل هذه الأوقات الصعبة، والوسطية في التعامل مع الوضع مطلوبة (لا إفراط ولا تفريط).وفي سؤال ما النقطة الفاصلة بين المسؤولية والخوف في التعامل مع زمن الكورونا؟ أجابت الدكتورة نوال: علينا أن نفهم كيف تعمل أدمغتنا لنكون أكثر قدرة على فهم مخاوفنا وقلقنا والتعامل معهما بشكل أفضل من أجل اتخاذ قرارات وخطوات أفضل في مواجهة هذا الفيروس والتهديدات الأخرى التي يمكن أن تحل على العالم في أي وقت. ويرجع هذا الخوف، وفي أحيان كثيرة قد يصل الأمر إلى درجة الهلع إلى أن أدمغتنا تستجيب لحالات الخطر بإفراز هرمون الكورتيزول الذي يحفز استجابة (الكرّ والفرّ) في الجسم، وهي أولى المراحل التي طوّرها الإنسان بيولوجيًّا للاستجابة لحالات الاجهاد والخوف، والتي بدورها تزيد من نسبة التركيز والانتباه لأي تهديد محتمل قد يتعرض له على اختلاف شكله أو نوعه، حيث يُعد هذا التركيز أمرًا بالغ الأهمية في أوقات الأزمات والمخاطر، إذا لم يكن الخوف موجهًا نحو هدف صحيح فقد يتحول في هذه الحالات إلى حالة من الهوس الخاطئ قد ينتج عنها اضطرابات القلق، كأن يمتد الخوف إلى تفاصيل الحياة اليومية كافة وتتخذ على إثره العديد من القرارات الخاطئة وتتبنى العديد من التصورات غير الصحيحة بناء على الخوف فقط. وفي النهاية، ليس من الغريب أن يحدث ذلك في عالمنا المترابط والمتواصل بشكل متزايد على مدار الساعة، فمن الصعب علينا أن نضع المخاطر في منظورها الصحيح مع كل ما ينشر في صفحات فيسبوك أو تويتر أو في نشرات الأخبار التي لا تتحرى الدقة والمصداقية فتعمل بدورها على تنشيط أدمغتنا البدائية لتعزيز الخوف والقلق وبالتالي العجز عن اتخاذ الاستجابة الصحيحة، وبدلًا من ذلك، نحن بحاجة قبل كل شيء إلى أن نتعلم التزام الهدوء والتروي في مواجهة الخوف للتفكير بشكل صحيح وهادئ للحفاظ على كل من صحتنا النفسية والجسدية في الوقت نفسه. وعن كيفية إدارة الانفعالات النفسية في ظل استمرار انتشار الفيروس ولمن قد أُصيب بالفيروس ولأهل المصاب، قالت المحيجرية: هناك مجموعة من النصائح أتمنى توجيهها لكافة شرائح المجتمع بشأن إدارة الانفعالات في ظل الأزمة ومرحلة التعايش معها، بالنسبة للأطفال من المهم أن تتم توعيتهم بعبارات لا تخيفهم وتتناسب مع مستواهم العقلي، وألا يظهر الوالدان القلق أمام أولادهم وعدم التحدث الزائد عن الموضوع، وهذه فرصة أيضا لتوعيتهم حول النظافة الشخصية، وملء أوقات فراغهم جيدا، مع مراعاة عدم انقطاعهم عن التعليم لمدة طويلة، وألا يبقى الطفل حبيس المنزل، أيضا يجب أن يتعرض للهواء والشمس تحت الإشراف بعيدا عن أي أطفال مرضى، أما بخصوص كبار السن فيكادون يكونون أكثر رقة من الأطفال، ولديهم هشاشة صحية ونفسية أعلى من غيرهم، لذلك من المهم البقاء بالقرب منهم والتواصل معهم مع الحرص الشديد على عدم نقل العدوى لهم، ودعمهم من الناحية المعنوية والصحية بما فيها من تغذية ورياضة وتهوية جيدة، والاهتمام بظهور أي أعراض مرضية حتى لا تتأخر الرعاية الصحية اللازمة، وهناك أيضًا القطاع الطبي الذي يقدم الخدمة للمصابين، فهؤلاء يدخلون في ضغط إضافي نتيجة زيادة الأعباء عليهم، إذ عليهم أن يبتعدوا عن أبنائهم وأزواجهم وعائلاتهم، ولديهم محاذير أكثر من الآخرين، خصوصًا أن بعض مقدمي الخدمة الطبية أصيبوا بالفيروس، لذلك كان لزامًا الثناء على ما يقومون به ودعمهم مجتمعيًّا وتقديم الدعم والمشورة النفسية لهم، وعدم لومهم ونقدهم في كل صغيرة وكبيرة، ولا يمكن إغفال شريحة أهل المريض الذين يكونون بأمس الحاجة للمعلومة الطبية المتزنة والمطمئنة التي تمكنهم من الحفاظ على التوازن في صحتهم النفسية وبالتالي تقديم الدعم اللازم للمُصاب. موضحة بأنه وفي هذا الإطار، هناك مجموعة من النصائح للمساعدة في التحكم في مشاعر القلق والتوتر بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد، ومنها: التقليل من التعرض للأخبار السلبية، التي قد تؤدي إلى زيادة الإحساس بالهلع، ووضع حد أقصى لمعرفة الأخبار عن تطور الفيروس، وليكن ٣٠ دقيقة في اليوم كمثال، وضرورة الاستمرار في الحفاظ على الروتين اليومي، مثل الاستيقاظ في الموعد نفسه، ومحاولة الفصل بين الالتزامات العائلية والتزامات العمل أثناء العمل في المنزل، ومحاولة تعلم هوايات جديدة أو تبني روتين جديد حتى انتهاء هذه الفترة، أو اداء بعض المهمات المؤجلة، واختيار الانحياز إلى التفاؤل، بالرغم من الوضع الحالي، والالتفات إلى قيمة اللحظة الحالية وإلى قيمة الصحة، ومحاولة البعد عن الأشخاص السلبيين والبعد عن مصادر التوتر قدر الإمكان، ومحاولة مساعدة الآخرين، والخروج خارج الذات، وطلب المساعدة من الآخرين، سواء من المقربين أو طلب المساعدة النفسية من خلال العلاج السلوكي المعرفي، ومن الممكن أن يتم ذلك عبر الإنترنت، خاصة مع توافر وسائل التواصل من خلال الفيديو، والتعبير عن مشاعر الغضب أو الآلام النفسية والتحدث عنها؛ لأن الكبت قد يؤدي إلى الاكتئاب أو زيادة الأمراض النفسية التي قد لا تظهر آثارها الآن، وممارسة تمارين التأمل من خلال تطبيقات الموبايل أو ممارسة أي نوع من التمارين الرياضية في المنزل. وفي ختام حديثها وجهت المحيجرية نصيحتها للمجتمع كافة بأن دعونا نعود بحذر ونتكيف مع الوضع المعيشي الجديد ما بعد ذروة أزمة كورونا ونعيش نتعايش مع كورونا بطريقة صحيحة وصحية متزنة.

إلى الأعلى