الخميس 13 أغسطس 2020 م - ٢٣ ذي الحجة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الأولى / المفتي العام للسلطنة: من تدبر فـي الوباء تفيض عليه الدروس والعبر
المفتي العام للسلطنة: من تدبر فـي الوباء تفيض عليه الدروس والعبر

المفتي العام للسلطنة: من تدبر فـي الوباء تفيض عليه الدروس والعبر

فـي إصداره الجديد: «إن فـي ذلك لذكرى ولكن هل من مُدَّكر؟»

المفتي العام للسلطنة :
- من تدبر فيما عمَّ العالم من هذا الوباء المنتشر تستوقفه كل نقطة فـي سجله العظيم لتفيض عليه من الدروس وتملي عليه من العبر
- ما أجدر الإنسان أن يفكر فـي هذا الأمر مليا ما دام فـي فسحة من أمره تتردد أنفاسه فـي جسمه قبل أن يفوت الأمر وتطوى الأعمار
- كم حاول أولئك الذين كانوا يتصورون أنهم يمسكون بناصية كل شيء فـي هذا الكون أن يصلوا إلى حل لهذه المعضلة ولكنهم وقفوا حيارى

عرض ـ علي بن صالح السليمي:

صدر مؤخرًا لسماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي ـ المفتي العام للسلطنة كتابًا بعنوان:(إن في ذلك لذكرى ولكن هل من مُدَّكر؟) عن دار (الكلمة الطيبة)..
تناول خلاله وباء فيروس كورونا (كوفيد ـ 19) المنتشر في العالم أجمع.
.وما تفيض عليه من الدروس.
. وتملي عليه من العبر العظيمة ما يفوق كل تصور.
.وقد فتحت للناس أصناف العلوم التي لم يكن في حسبان أحد أنها ستفتح أبوابها، وستبرز من خفائها، وتيسر لهم من الابتكارات العظيمة ما لم يكن يتراءى لأحد حتى في طيف الأحلام.
يقول سماحته في مقدمة هذا الإصدار: مع كون الأحداث تتدافع المؤمن بين أكناف الشكر ورحاب الصبر في حاليه، فإنه بجانب ذلك يستلهم من كل ما يمر به في هذه الحياة، وما يشاهده من صروفها وأحوالها، دروسًا تزيده إيمانًا بربه، وصلة بدينه، وثقة بوعده، كما تزيده يقينًا بضعف نفسه، وضعف الخلق أجمعين، بين يدي قدرة الله تعالى، الذي يقول للشيء كن فيكون، فيخرج من النار الحامية بردًا وسلامًا، كما يخرج من الماء المنساب حتفًا زؤامًا.
مؤكدًا في هذا الجانب أن من تدبر فيما عمَّ العالم من هذا الوباء المنتشر تستوقفه كل نقطة في سجله العظيم، لتفيض عليه من الدروس، وتملي عليه من العبر ما يفوق كل تصور، فقد غشي هذا البلاء الأرض بعد ما أخذت زخرفها، وازينت، وظن أهلها أنهم قادرون عليها، فقد كان ذلك بعد أن تحقق فيها من الإنجازات الهائلة ما لم يكن يخطر على بال، وفتحت للناس أصناف العلوم التي لم يكن في حسبان أحد أنها ستفتح أبوابها، وستبرز من خفائها، وتيسر لهم من الابتكارات العظيمة ما لم يكن يتراءى لأحد حتى في طيف الأحلام، وتصور الإنسان أنه أمسك بزمام الحياة كلها، وأعطي مقاليد كل شيء، وزويت له الأرض من أطرافها، فصارت بين يديه يتصرف فيها كما يهوى، واختصرت له مسافات الكون حتى غدا يحصي ما اشتملت عليه أبعاده، ويعد ما يُقَدَّر نَأْيُه عنه بعشرات أو مئات مليارات السنين الضوئية، فيكتشف ما في تضاعيف كائناته ما نأى عنه كالذي دنا منه، وإذا بالقدر الإلهي في أوج هذا الغرور البشري وهذا الازدهار الذي تحقق في العالم على يدي الإنسان يقرع مسامعه ليوقظ عقله الطائش المغرور بأنه لا يزال في طور العبودية الضعيفة.
مبينًا سماحة المفتي في هذا الجانب أن أقل جندي من جنود الله الذي له جنود السماوات والأرض يقهقره حتى يقفه موقف الذل والحسرة، لا يملك من أمره شيئًا، كأنه لم يكن ذلك المغرور الذي يرى أن الكون لا يتسع له، وأنه تمكن من تحدي الأقدار ورد صروف القضاء، فقد أراه الله تعالى آيته الكبرى في كائن بلغ من الدقة والضعف حيث لا تتسلط عليه عين، ولا تتمكن منه حاسة، ولا تعرف له هوية، ولا تشخص له عين، فإذا به يدحر هذه الجموع الهائلة من أولي القوى الحسية والمعنوية، الذين بهروا العالم باكتشافاتهم وابتكاراتهم، وحذفوا من قواميسهم كلمة (مستحيل)، فتصوروا كل شيء ممكنًا لهم، لا يَؤُدهُم أن يأتوا به مسخَّرًا وإن كان وراء المجرات جميعًا، فتلاشت عندهم جميع الحيل، وتقطعت بهم جميع السبل، ولم يجدوا إلا أن يطأطئوا الهامات التي لم تتطأطأ من قبل أمام هذا العدو الخفي عن جميع الحواس، فانقلبت جميع التصورات، وتضعضعت جميع المحاولات، وتبددت جميع القوى، ليثبت للكل أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وأن الأمر كله لله، بيده النفع والضر، والمحيا والممات، يعز من يشاء ويذل من يشاء، لا يؤده جبار أن يقصمه، ولا عزيز أن يذله، ولا غني أن يفقره، ولا رفيع أن يضعه، يقول للشيء كن فيكون.
فهل تيقظ الإنسان الذي فرح بما أوتي من العلم، واغتر بما حققه من الإنجاز  لهذا الأمر، فكان على ذكر منه وعلى يقين بأنه ليس في غنى عن لطف الله وحسن رعايته في أقل من طرفة عين؟ فلو تخلى الله تعالى عنه وعن هذا الوجود الذي ينتظم فيه في أقل من لحظة عين لهوى هذا الوجود كله إلى غير قرار.
وقال سماحته: فما أجدر الإنسان أن يفكر في هذا الأمر مليًّا ما دام في فسحة من أمره، تتردد أنفاسه في جسمه، قبل أن يفوت الأمر، وتطوى الأعمار، فإنه لم يخلقه، ولن يتركه سدى، ولن يُرْحَم في الآخرة إلا من رحم نفسه في الدنيا فنهاها عن الهوى، وزمها بزمام التقوى، حتى تخضع لأمر الله، وتعتصم بحبله.
وهنا يشير سماحته بقوله إلى أنه كم حاول أولئك الذين كانوا يتصورون أنهم يمسكون بناصية كل شيء في هذا الكون، ويتجاوب لهم كل قريب وبعيد في أرجاء الوجود كما يشتهون أن يصلوا إلى حل لهذه المعضلة التي نجمت، وعلاج لهذا الداء الذي استشرى، ولكنهم وقفوا حيارى أعوزتهم الحيل، وخانتهم التدابير، فعرفوا الله عندما اضطرتهم إلى معرفته صروف الأقدار، فلم يجدوا إلا أن يلتجئوا إليه، ويعترفوا بذلهم بين يديه، فتجد من كان يهدم المساجد ويقتل من يؤمها ليعبد الله وحده يضطر على رغم أنفه أن يلجأ بنفسه إلى المسجد، ليسأل الله العافية مما حل، ويترجى المسلمين أن يتضافروا على دعاء الله أن يصرف هذا البلاء ويكشف هذا الضر، ومنهم من أعلن أن كل أسباب الأرض فشلت وما بقي إلا التعلق بأسباب السماء، وترى من كان أكثرهم عتوًّا واستكبارًا، وأبلغهم غرورًا وإعجابًا بما أوتي يتوسل إلى المتدينين بأن يُصَلُّوا من أجل كشف الضر، ويتبرك بتلاوة القرآن الكريم، إذ ما من جبار عنيد، وكفار جحود، إلا أيقن بأنه لا نجاة إلا من الله، فلا نجاة ترتجى إلا ما يأتي به القدر، ويسوقه فضل الله على عباده، ورأفته بهم، الذي أحاطت بهم قدرته، فلولا لطفه الغامر، وبره الشامل، لأحاط بالناس العذاب من كل جانب. منوهًا سماحته بأنه قد كان حريًّا بهم أن يقفوا طوي ليتدبروا تصاريف القدر، وأن تردهم هذه الأحداث إلى الله تعالى، ولكن جبلة الشر مركوزة في طباعهم، فلا يكادون يتذكرون حتى ينسوا، ولا يقبلون حتى يدبروا، متجاهلين كيف طوت الأقدار القرون من قبلهم، وأهلكت من الأمم من كان أشد منهم قوة، وأكثر غنى، وأطول عمرًا، وأعظم متعة، وأوفر صحة، فما أضل الإنسان، وأشد غروره، وأفحش فجوره، وما أبطره عند النعمة، وأجزعه عند الملمة، وأنساه لربه ولنعمته عليه، وأجهله بما يجب عليه من شكرها، وما أجهل هؤلاء الذين فرحوا بما عندهم من العلم، وأضل عقولهم، فكم دعاهم هذا الحدث إلى الاعتبار فلم يعتبروا، وساقهم إلى الادكار فلم يدكروا، ناهيك بما ثبت لكل ذي قلب، واستيقنه كل لبيب، أنهم ليسوا على شيء يمكن أن يعول عليه في الملمات، فكما عجزوا عن كشف هذا الضر كانوا أعجز عن حسن التعامل معه. وفي زاوية أخرى من الكتاب يشير سماحة الشيخ أحمد الخليلي فيما ساقه الله من الخير من وراء هذا البلاء بقوله: إن لله تعالى في كل أمر حكمة، ومهما كانت من شدائد فيما تأتي به الأقدار فإن لله من ورائها ألطافًا يدركها أهل الإيمان، فقد أصلح الله بما حصل كثيرًا مما أفسده الناس، ناهيك بما ترتب على الحد من الحركات الجوية، وتوقف كثير من المصانع، وقلة استهلاك الوقود، من تنظيف للبيئة مما كان يلوثها، وإصلاح لها، وتصفية للأجواء من أكدارها، حتى عاد إليها نقاؤها الطبيعي، وارتقت حسبما قيل ثقاب طبقة الأوزون التي أعيا الناس رتقها، وأتيحت الفرص للأسر بأن تجتمع في بيوتها، ويرعى الوالدان أولادهما، ويحس الأولاد بروابط الدم التي تشدهم إلى والديهم، وتلك أمور كلها كانت مفقودة إلا عند من رحم الله، فقد أتت الحضارة المعاصرة على كل شيء من الطبيعة البشرية والطبيعة البيئية، فنسفته نسفًا، ومسخته مسخًا، وقد شاء الله سبحانه أن يكون فيما اضطر الناس إلى البقاء في بيوتهم تعديلًا لأوضاعهم الاجتماعية والبيئية، لعلهم يحسبون لها حسابًا في المستقبل، فيحرصون على إصلاحها، بإعطائها قسطًا من تفكيرهم واهتمامهم.
أما عن الاقتراحات والتوصيات التي يجب أن تتبع في هذا الجانب فيقول سماحته: بعد هذا التذكير بهذا الحدث العظيم الذي عمَّ أرجاء الدنيا كلها، وأطبق أثره على الأرض جميعًا، فعزل أقطارها بعضها عن بعض، وحبس سكانها، فغدا كل في سربه مشغولًا بنفسه، مقطوعًا عن مجتمعه ومعارفه، وعطل المعطيات الحضارية التي ما كان يظن بها أن تتعطل يومًا إلى أن يرث الأرض وارثها، أعود إلى ما يجب أن يتبع في هذه المواقف الحرجة، وفي مقدمة ذلك رجوع الإنسان إلى ربه بعد ما طال تمرده عليه، ونفاره منه، وتطاوله على حقوقه، وتجاهله لعظمته وسلطانه وقدرته على كل شيء، وتناسيه لنعمه التي تحيط به وتغمر جميع الوجود وتغدودق كل موجود، وألطافه الواسعة التي اختص بها البشر، ورعايته لكل أحد في نومه وفي يقظته، وفي سره وفي علانيته، وفي مكرهه وفي منشطه، وفي يسره وفي عسره، وفي صحته وفي سقمه، وفي ذكره وفي غفلته.
مؤكدًا سماحته أنه لا تكون العودة إليه إلا بإخلاص العبودية والعبادة له، وإفراده تعالى بالإجلال والإكبار، والإخلاص له في السر وفي العلانية، والتزام طاعته في الشدة والرخاء، واستلهام منهج الحياة كلها منه وحده، فإن له الآخرة والأولى، وهو العليم بكل خفي وجلي، المحيط بكل ما دقَّ أو جلَّ، فما كان للإنسان ذلك المخلوق الضعيف  أن ينازع الله سلطانه، وأن يستكبر على عبادته، ويتكبر على عباده، ويطغى بما آتاه الله من نعمة، ويفسد في الأرض بما بسط الله له من فضله، وإنما عليه أن يسلم له سره وعلنه، وقلبه وقالبه، وروحه وجسمه، ويخلص له محياه ومماته.

إلى الأعلى