الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : لماذا انقطاع الاتصالات في يوم عيدنا؟

شراع : لماذا انقطاع الاتصالات في يوم عيدنا؟

خميس التوبي

سؤال بات يسدح ذاته على فراش الوطن الذي يعيش أفراح الاحتفال بالعيد الوطني الرابع والأربعين المجيد، باحثًا عن إجابة صريحة وشفافة تقطع كل الاجتهادات والتخمينات والظنون والشكوك، وخاصة أن البيان الصادر عن الجهة المزودة لخدمة الاتصالات لم يعطِ إجابة شافية ووافية، وإنما أكد على أنه جارٍ البحث عن الأسباب، فضلًا عن أنه تشتم منه رائحة فعل التخريب المتعمد. وبعيدًا عن المبالغات والإنشائيات فقد عانت البلاد خلال ساعات انقطاع شبكة الاتصالات من الساعة الواحدة ظهرًا وحتى الثامنة مساء من شلل تام في جميع مفاصل الحياة ومرافق الإنتاج لا سيما تلك المعتمدة على شبكة الاتصال والإنترنت، الأمر الذي تسبب في تعطيل مصالح الكثير من المؤسسات الحكومية والخاصة والمواطنين.
صحيح أن الأعطال المفاجئة هي بمثابة الضريبة الثابتة لوسائل التكنولوجيا والتقنية الحديثة، وخارجة عن الإرادة، رغم ما تقدمه من تسهيلات وتوفير للوقت والجهد وسرعة الإنجاز، إلا أن ذلك لا يعفي من مسؤولية أخذ الاحتياطات اللازمة تحسبًا لمثل هذه الطوارئ. ونحسب أن ما حدث يوم أمس كان صادمًا لدى بعض المسؤولين لا سيما ونحن نعيش أفراح العيد الوطني الرابع والأربعين المجيد.. ومرد الصدمة هو القصور في القدرة على توقع مثل هذه الأحداث الطارئة والاستعداد لها وأخذ الحيطة والحذر والذي (أي القصور) لم يسبب لهم وحدهم حرجًا كبيرًا وإنما للبلاد بأسرها بعد أربعة وأربعين عامًا من نهضة العطاء والبناء المباركة وخاصة بعد الكلام الكثير الذي مُخِضَ في العديد من المؤتمرات والكلمات ذات العلاقة بالتحول إلى الحكومة الإلكترونية والموازنات المالية الضخمة المعدة لذلك، لنتبين أن الممخوض ما هو إلا عبارة عن ماء .. أي لا زبدة ولا سمن.
نعلم أن أي حديث حول مقارنة ولو بسيطة بين الوضع الحالي للاتصالات بشكل عام في بلادنا مع أي إقليم آخر في المنطقة أو دول العالم الثالث أو حتى في الأدغال الفقيرة بالقارة الإفريقية، ستتسبب بحساسية مفرطة لدى المعنيين بقطاع الاتصالات سواء في القطاع العام أو القطاع الخاص ليس لقوة الحقيقة، وإنما لحالة الحرج العارم التي تضعهم أمام مسؤولياتهم وتضع حولها العديد من علامات الاستفهام. وأن الهم الأكبر غدا في كيفية مضاعفة عدد المشتركين أو المستفيدين بهدف جني الأرباح الطائلة وليس الهدف هو اقتسام المنفعة مناصفة؛ ربح معقول يقابله خدمة ذات جودة عالية جدًّا.
إن مياهًا كثيرة أُجريت تحت جسر الحكومة الإلكترونية، وعلى ضفتي الطموح والأمل تبدو الجهود المبذولة خجولة جدًّا، وذلك لسيطرة نزعة الربح السريع والوفير على حساب الخدمة المقدمة والمتواضعة والناتجة عن توجه الحكومة نحو خصخصة مثل هذه المؤسسات الحيوية وذات العائدات المالية الكبيرة التي يفترض أن تذهب إلى خزينة الدولة من ناحية، ومن ناحية أخرى غياب التعددية “المستقلة” القائمة على التنافس، وهذا بدوره أدى إلى غياب الخدمة الجيدة وإقامة بنية تحتية قوية وصلبة، حيث باتت النظرة أن المستفيدين من الخدمة لا خيار آخر أمامهم؛ إما أن يقبلوا رغم أنوفهم ويرضوا بالمتاح أو أن يعزلوا أنفسهم.
وبالعودة إلى السؤال المعنون به المقال، وثبت أن سبب انقطاع الاتصالات هو التخريب المتعمد، فإن ذلك يضعنا أمام تحديات منها:
أولًا: إن هذا الانقطاع جاء في توقيت خاطئ حيث عُمان من أقصاها إلى أقصاها تحتفل بمناسبة العيد الوطني الرابع والأربعين المجيد، وسواء كان التخريب عبارة عن اختراق أو قرصنة أو قطع كابلات فإن ذلك يعني محاولة الانتقاص من قدر المناسبة ومن قدر المنجزات بأن تخريبًا واحدًا وبسيطًا شلَّ الحياة في البلاد تقريبًا، وإشغال الشعب العماني بهذا الطارئ وحرفهم عن الاحتفال بالمناسبة وإثارة التذمر داخل أنفسهم، وبدلًا من الاحتفال بالمناسبة سيوظفون كل جهودهم وأوقاتهم لمهاجمة المزودين بخدمة الاتصال وانتقادهم وانتقاد الحكومة.
ثانيًا: هذا الانقطاع الطويل ـ إذا كان وراءه عمل تخريبي متعمد ـ إن لم يتم تداركه وأخذ الاحتياطات اللازمة في الحاضر والمستقبل وبصورة عاجلة، فإنه مرشح للتكرار، ناهيك عن أنه قد يكون اختبارًا لنيات سيئة في قادم الأيام. وخطورة ذلك أن المؤسسات الأمنية والعسكرية تعتمد على ذات الشبكة المحلية حالها حال بقية المؤسسات المدنية والمواطنين والمقيمين، وليس لديها شبكات مستقلة أو منافذ بديلة في حالة انقطاع شبكة الاتصالات الرئيسية عنها. كما أن نجاح الاختراق والقرصنة لشبكة الاتصالات الرئيسية من الممكن أن يتبعه اختراق مماثل لأنظمة المؤسسات العسكرية والأمنية.
ثالثًا: تعطيل مصالح الناس وإرهاقهم من حيث الوقت والجهد، فليس بمقدور المرء أن يقطع المسافات يوميًّا، كما أنه ليس على استعداد لأن يستأذن من مسؤوله مرارًا بمجرد تكرار الأعطال في شبكات الاتصال وأنظمة الحاسوب، فضلًا عن ما سيترتب على هذا التكرار من نتائج عكسية.
وما يثير الانتباه، أن هذا الانقطاع الطويل في الاتصالات يأتي بعد يوم واحد من إلقاء القبض على شركات ذات تجارة مستترة تمارس عمليات الغش والتحايل في منتجات الحليب المجفف وطحين المينو بإعادة تعبئتها في أكياس وتغيير تاريخ انتهائها، حيث هناك حملة شعبية كبيرة على وسائل الاتصالات المختلفة تطالب بإنزال أغلظ العقوبات على المتلاعبين، والمطالبة بكشف هوياتهم. إلا أن هذا ليس بالضرورة أن يكون له ترابط، وربما من قبيل المصادفة، علمًا أن السبب الحقيقي وراء انقطاع الاتصالات غير معروف بعد. بيد أن ما يعنينا هو أن تتوالى علينا هذه المزعجات في توقيت يجب أن لا تحدث فيه.
إن التحول إلى الحكومة الإلكترونية يحتاج إلى بنية تحتية صلبة قادرة على مواكبة هذا التحول، آخذة في الاعتبار ما قد يتعرض له هذا التحول من معوقات وإشكالات تتمثل في الانقطاع المفاجئ للشبكة أو حدوث عمليات تخريب أو كوارث طبيعية، وهذا ما نأمل أن تعمل عليه الحكومة والمؤسسات القائمة بتوصيل الخدمة.

إلى الأعلى