الخميس 13 أغسطس 2020 م - ٢٣ ذي الحجة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قراءة بلاغية فـي آيات قرآنية الروابط اللفظية ودورها فـي التماسك النصي «سورة النصر نموذجا» «2»

قراءة بلاغية فـي آيات قرآنية الروابط اللفظية ودورها فـي التماسك النصي «سورة النصر نموذجا» «2»

.. وفيه عند أهل البلاغة استعارة مكنية، حيث شبَّه النصر بإنسان، وحذف المشبه به، وأتى بلازمة من لوازمه، وهي المشي والسير على سبيل التشخيص، والأمل بالحدوث والاستبشار بأنه يسير على قدميه، واضحُ المشاهَدة بالعين، وقد ارتبطت جملة الإضافة:(جاء نصر الله) بالمضاف الظرف(إذا) ارتباطًا عضويًّا جعل العبارة شديدة التماسك، قوية الترابط، تنتظر جواب الشرط على لهف وشوق، فيجيء العطف بالواو، وهو إحدى وسائل الترابط (والفتح) بضم الحاء عطفًا على (نصر)، فالنصر، والفتح يأتيان، أو يجيئان، وهو مجاز مرسل عقلي، علاقته المصدرية؛ حيث إن الفتح عادة معنويٌّ، لا يجيء، وإنما يُجَاءُ بِهِ، وهو كذلك استعارة مكنية، حيث شبَّه الفتح بإنسان، وكنَّى عنه، وأتى بلازمة من لوازمه، وهي المجيء على سبيل التخيل، والتجسيم، والتشخيص؛ لينزلَ من النفسَ منزلة طيبة؛ حيث تستريح برؤية النصر والفتح آتييْن يتألقان، ويتأنقان كأنهما قد أُحْرِزا بالفعل، وفيه كناية عن الراحة النفسية، والاغتباط برؤية النصر، وقد حقق، ممثلًا بمجيئه هادئًا، وبمشيه مترجِّلًا؛ مما يدخل السعادة على النفس والروح، وخصوصا إذا تشرف بأنه من الله:(نصر الله/ فتح الله)؛ حيث قامت (أل) في الفتح مقام المضاف إليه:(الله)، وهو تعريف يدل على عظمته، وقدسيته، وشموله، وسمو دلالته، وكمال إحاطته، وكبر حجمه، وعمق معناه.
وقد دخل حرف العطف هنا الواو (لعطف المفردات)، ثم يأتي حرف العطف الواو الأخرى (لعطف الجمل)؛ وذلك ليمتِّن من الارتباط، ويشد كلمات الجملتين شدًّا محكمًا، ويتماسك من خلالها تماسكًا عضويًّا قويًّا:(ورأيت الناس يدخلون)، والفعل: (رأى) هنا يعني رأى البصرية التي تنصب مفعولًا واحدًا، والتاء هي تاء الفاعل، التي تعود على الرسول الكريم (صلى الله عليهوسلم ): (ومن ثَمَ على كل مسلم) و(أل) في كلمة:(الناس) جنسية (أيْ: جنسهم)، وهي المفعول المرتبط بفعله ارتباطًا أصليًّا أساسيًّا لا ينفك عنه، فالآية تتطلب مرئيًّا هم الناس، وجملة:(يدخلون) في محل نصب حال، يبين هيئة رؤية الناس داخلين في دين الله، والحال مع عاملها وصاحبها كالشيء الواحد، حيث ترتبط ارتباطًا شديدًا، وتتماسك تماسكًا قويًا، والمضارع يفيد الاستمرار، فالعين تراهم يدخلون أرتالًا، وجماعاتٍ،وأفواجا، وواو الجماعة فاعل، مرتبط كذلك بفعله، و(أفواجًا) حال مفردة بعد الحال الجملة:(يدخلون)، وقوله:(في دين الله) حال شبه جملة، أو متعلقة بالفعل (يدخلون)، وسواء أكانت حالًا أم متعلقة بالفعل فهي وسيلة من وسائل التماسك النصيِّ، المترابط لغويًّا ودلاليًّا، فقد تجمَّعت في الآية ثلاثة أحوال: الحال الجملة:(يدخلون) والحال شبه الجملة: (في دين الله)، والحال المفردة: (أفواجا) أيْ شملت كلَّ ألوان الحال، وكلٌّ منها مترابطٌ، يبين هيئة الرؤية، أيْ تبيِّن هيئة حصول الفعل، وكلها لا بد أن تقرأ في نفَسٍ واحد، يبين قيمة الترابط الدلالي من جانب، والتماسك المعنوي بينها من جانب آخر، وشبه الجملة:(دين الله) مرتبط بحرف الجر، ومرتبط كذلك بالإضافة، والإضافة:(الله) للتشريف، فهو دين الله، ودين نزل للدنيا كلها من الله، فهو ترابُط مترابِط، وتماسُكٌ متماسِك، وتداخلٌ متشعِّبٌ، كل ذلك هو فقط جملة الشرط المبتدِئة بالظرف (إذا)، وقد تتابعت المعطوفات، والمضافات، والأركان الأساسية للجملة ـ كما رأينا ـ تتابعًا دلاليًا رائعًا، ولم يسكت القارئ على أيِّ كلمة منها؛ لشدة تشابكها، وعمق ترابطها، وجليل تماسكها، واشتداد تداخلها، وعمق تشعُبها، وانتشار أشعَّتها فيما بينها، وكمال ضوئها، وتناسق كلماتها، وأخذها جميعًا بحجب بعضها.

د.جمال عبدالعزيز أحمد
كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة – جمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى