السبت 15 أغسطس 2020 م - ٢٥ ذي الحجة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / الذاكرة والمجتمع فـي مجموعة «سماء خضراء» لغنية الشبيبية
الذاكرة والمجتمع فـي مجموعة «سماء خضراء» لغنية الشبيبية

الذاكرة والمجتمع فـي مجموعة «سماء خضراء» لغنية الشبيبية

سماء خضراء هي المجموعة الأولى للكاتبة غنية الشبيبية، صدرت عن دار بيت الغشّام في مسقط، عام 2020م، واحتوت ثماني عشرة قصة قصيرة، إحداها حصلت على المرتبة الأولى في مسابقة قصص على الهواء، التي تنظمها مجلة العربي الكويتية بالتعاون مع إذاعة مونت كارلو، وهي قصة (المصير)أخذت المجموعة عنوانها من إحدى القصص، وهي سماء خضراء، وربما كان انتقاؤها للون هنا بمثابة الإشارة الخضراء التي تعبر من خلالها الكاتبة إلى سماء الوسط الثقافي.المجموعة بشكل عام جميلة، كُتبت بلغة أدبية رفيعة المستوى، استبشرت من خلالها بميلاد كاتبة عمانية، قادمة بوعي، وتكتب لا لمجرد الكتابة، وإنما للحضور والامتداد في الذاكرة، التي كانت حاضرة في أغلب القصص.

الكاتبة ابنة بيئتها، وهذا ما يلمسه القارئ، وهو يتجوّل بين الزقاق، ووسط الحواري، وفي المزارع القديمة، ليعود بذاكرته حيث أرادت الكاتبة أخذه، لتقول له:
- أنا كنت هنا، وربما أنت أيضاً، وقد نكون التقينا يوماً ما، دون أن ينتبه أحدنا للآخر، ففتّش في ذاكرتك جيداً عن هذا الموقف، لعلك تراه.
هذه الذاكرة الحاضرة بقوة، جعلت الحبكة القصصية تنفلت أحياناً من قبضة قلم الكاتبة، لصالح الذاكرة السردية، خاصة في قصتي (الخالة لال بيبي، والبيذامة)، ولكن لا بأس، فالمجموعة الأولى دائماً ما تكون بمثابة التجربة الأولى، التي تحفر أدق ملاحظاتها في العقل، سامحةً لنا بتجاوزها، والتحليق بعيداً عنها.
أكثر القصص التي أعجبتني في المجموعة قصة (أمنية الجنة) و(ترنيمة الغياب)، ففي قصة (أمنية الجنة) تتلاعب الكاتبة بالقارئ، وتأخذه من حدث إلى آخر، في تناسق انتقالي، يبدو فيه القلم كقدم راقصة باليه بارعة، في حين ينحسر الصراع في قصة (ترنيمة الغياب) عن ذلك الغياب الروحي، والذاكرة الغائبة، وهي الحاضرة بقوة في كل قصص المجموعة، ولكنها هنا أبت إلا أن تقول: ولكني حين أغيب، تغيب معي الحياة.
ثمة ملاحظة لفتت انتباهي في أغلب قصص المجموعة، وهي العاطفة التي كانت تتراجع كثيراً، بسبب محاولة الكاتبة الاختصار في سرد القصص، وأظن بأن القصص كانت ستبدو أشد تأثيراً على القارئ إذا دُعّمت بالعاطفة، خاصة أنها جميعها تتحدث عن شيء عايشناه أغلبنا، وارتبط بطفولتنا، وصبانا، إن لم يكن حاضراً معنا حتى اللحظة.
إن هذه الملاحظة تتجلّى كثيراً، حتى تحضر بقوة في قصص مثل (فستاني الكحلي، وقلم رصاص) واللتين لو دُعمتا بالعاطفة لأخذتا القارئ من زمانه، ومكانه الذي يجلس فيه، إلى حيث تعبث الممحاة بما يسطره قلم الرصاص المهتز بين أصابع امرأةٍ أظنه قد يعرفها، أو إلى حيث تجلس تلك الفتاة التي يليق بها (الفستان الكحلي).
هذا الاختصار في السرد جعلها أيضاً تستعجل إنهاء القصص، لذلك وجدتني عند انتهائي من قراءة أغلب القصص، أبحث عن شيء لم أقرأه، إنه ليس النهاية المفتوحة، بل النهاية غير الموجودة.
هناك أيضاً بعض النهايات التي لم تُوفق الكاتبة فيها، مثل قصة (عشرون عاما في انتظار الفرح) والتي أخذني عنوانها إلى رواية (ثمانون عاما في انتظار الموت) للكاتب عبدالمجيد فياض، وإن اختلف المحتوى تماماً، فالعشرون عاما هنا قضتها الأم في مكابدة الترمل وتربية الابن الوحيد، هذه العشرون عاماً استحقت أن تُتوّج بنهاية طيبة وكان يكفي أن تنتهي بمشهد الزفة دون الحادث الذي أبى إلا قطع تلك الفرحة، واختلفت عن هذه النهاية قصة (لجينة) التي انتهت ببصيص أمل، وهو ما تمنيت بقوة لو كان موجوداً في قصة (عشرون عاماً في انتظار الفرح).
المجموعة بها اشتغال لغوي يستحق الإشادة، ويؤكد اطلاع الكاتبة، وثقافتها العامة، إلا أن هذا الاشتغال اللغوي رغم ما منحه للمجموعة من وهج إلا أنه أوقع الكاتبة في مطبين:
الأول: مطب الجمل المبهمة، فمثلا تقول: (ستخط على صقيع العثرات مسارات دافئة تندلق بك إلى أحجيات الفرح) وقولها (ولادة القمر الذي سيوقظ نوافذه لتُشيح بوجه العتمة بعيدا) وقولها (أغزل على هالته نسيجا من عشق ووله أهش بها على وجع الشوق وأمزق بها مرارة الوحدة).
الثاني: الاقتباسات التي لم تضعها الكاتبة بين قوسين أو تُشير لها ضمنا إنها مقولات كأن تقول: كما يقال. ومن ضمن هذه الاقتباسات: (السم الذي لا يقتلك يزيدك قوة) والحديث الشريف (كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء)، ولكني على ثقة بأن الكاتبة لم تنتبه لذلك. السرد في القصص كان متنوعاً، وأجد أن الكاتبة نجحت في اختياراتها، عدا قصة (حيث يسكن الفكر) التي تمنيت لو استخدمت الكاتبة فيها تقنية الراوي العليم، باعتبار أن بطل القصة كان طفلا في الخامسة من عمره، لا يمكنه بحال أن يصل لذاك المستوى من الوعي، وهو يتحدث عن تجربته في الحياة.
أخيراً، أهنئ الكاتبة على شجاعتها، واتخاذ قرار الطباعة، لأن قرار الإصدار الأول غالباً ما يكون الأصعب، وكل ما أوردته من ملاحظات ليس إلا لأنني وجدت في المجموعة ما يستحق القراءة، ووجدت لدى الكاتبة ما يستحق أن تمنحه اهتمامها.

إلى الأعلى